قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن الكافر في كلام العرب هو الساتر شيئا بغطاء وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا لجحوده آلاءه عنده وتغطيته نعماءه قبله فمعنى قوله إذا أعدت للكافرين أعدت النار للجاحدين أن الله ربهم المتوحد بخلقهم وخلق الذين من قبلهم الذي جعل لهم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم المشركين معه في عبادته الأنداد والآلهة وهو المتفرد لهم بالإنشاء والمتوحد بالأقوات والأرزاق

قال أبو جعفر: أما قوله تعالى (وبشر) فإنه يعني أخبرهم والبشارة أصلها الخبر بما يسر المخبر به إذا كان سابقا به كل مخبر سواه وهذا أمر من الله نبيه محمدا بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا

والجنات جمع جنة والجنة البستان

وإنما عنى جل ذكره بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها فلذلك قال عز ذكره تجري من تحتها الأنهار لأنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها لا أنه جار تحت أرضها لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض فلا حظ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد

القول في تأويل قوله تعالى (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها)

قال أبو جعفر يعني بقوله كلما رزقوا منها من الجنات والهاء راجعة على الجنات وإنما المعني أشجارها فكأنه قال كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله هذا الذي رزقنا من قبل فقال بعضهم تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا

قال أبو جعفر وقال آخرون بل تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا ومن علة قائل هذا القول إن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله

وقال بعضهم بل قالوا هذا الذي رزقنا من قبل لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم

والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلين إن معنى ذلك هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض فإذ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك فقال بعضهم تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه

وقال بعضهم تشابهه في اللون وهو مختلف في الطعم وقال بعضهم تشابهه في اللون والطعم

وقال بعضهم تشابهه تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون وإن اختلف طعومهما

وقال بعضهم لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء

وتأويل ذلك وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات فيها أزواج مطهرة

والأزواج جمع زوج وهي امرأة الرجل يقال فلانة زوج فلان وزوجته

وأما قوله مطهرة فإن تأويله أنهن طهرن من كل أذى وقذى وريبة مما يكون في نساء أهل الدنيا من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمني وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره

القول في تأويل قوله تعالى (وهم فيها خالدون)

قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره بذلك والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون فالهاء والميم من قوله وهم عائدة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات والهاء والألف في فيها على الجنات وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الحبرة والنعيم المقيم

العلاقة بين الجمل:كان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته (الم) ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب , وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس , فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية , وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015