يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب , فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: (لا ريب فيه).

واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه , فيعلم بالاعتبار والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان كما أن الماء أصل رزقه , ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن يعين له نفسه: (نحن من ماء) ويعلم كذلك ايضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه , وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها.

ولذلك قال عليه السلام: (من اغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين) وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها.

ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد - انتهى.

ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما قال معبرا بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تأله الغير (فلا تجعلوا لله) أي ما إحاطته بصفات الكمال.

ويجوز أن يكون مسببا عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب (أندادا) أي على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون.

قال الحرالي: جمع ند وهو المقاوم في صفة القيام والدوام , وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة على القلوب , حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان , ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا , فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله أندادا - انتهى.

وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم (وأنتم تعلمون) أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد البهائم.

وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء , فمن جعل لله ندا مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى.

وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء.

وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب , وهو عمود الخشوع , وعليه مدار الذل والخضوع.

ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم يبق لمتعنت شبهة

(وإن كنتم في ريب) أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ومن أصدق مني قيلا - إنه (لا ريب فيه).

وأشار هنا أيضا إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتا من الغيبة إلى التكلم فقال: (مما نزلنا) قال الحرالي: من التنزيل وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى.

و (على عبدنا) أي الخالص لنا الذي لم يتعبد لغيرنا قط , فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء القريتين وغيرهم , فارتبتم في أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمدا أتى به من عنده لتوهمكم أن فيما سمعتم من الكلام شيئا مثله لأجل الإتيان به منجما أو غير ذلك من أحواله.

(فأتوا) أي على سبيل التنجيم أو غيره , قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة (بسورة) أي نجم واحد.

قال الحرالي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة - انتهى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015