بل لأنّ معناه ينافي قوله تعالى: ((وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)).
وليس كحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)؛ لأنه يقبل التخصيص.
بخلاف حديث ابن أبي عائشة.
وفقك الله أخي حمد.
حديث ابن أبي عائشة ألا يصح أن يكون مخصِّصًا للآية؟
وبالنسبة للترجيح بين الوجهين:
فالحق أن لكل وجهٍ قوته، خاصةً أن لأيوب وخالد اختصاصًا بأبي قلابة، فقد قال: «صديقاي من أهل البصرة دباغ وحذاء»، قال الإمام أحمد: «الحذاء: خالد، والدباغ: أيوب السختياني» (العلل ومعرفة الرجال: 1/ 272، 2/ 360).
إلا أن الناظر يلحظ أن ما قُوّيت به رواية أيوب هو عموم تفضيله على خالد الحذاء، وأما ما قُوّيت به رواية خالد؛ فهو خاص بحديثنا هذا.
ولا يخفى أن الراوي قد يُفضَّل على قرينِهِ، وأن ذلك لا يمنع أن يفوق المفضولُ الفاضلَ في أحاديث معينة، فإن تلك الأحكام في العموم والجملة، لا في كل حديث بعينه.
والذي يظهر من حال رواية خالد الحذاء أنها لا تعارض رواية أيوب من كل وجه؛ كي يُلجأ إلى الترجيح بينهما، وذكر تفضيل أيوب على خالد، بل قد اتفق الاثنان في قدر من الرواية -هو الرواية المرسلة-، ثم زاد خالد الحذاء وصل الرواية.
وزيادته هنا مقبولة، لأنه قد احتفت بها القرائن الدالة على ضبطه لها، وذلك ما ذُكر آنفًا في مرجحات روايته، وإذا زاد حافظٌ على حافظٍ قُبل -كما قال أبو زرعة الرازي، وقرر غيره من الأئمة النقاد-، وأيوب حافظ عمومًا، وخالد حافظ لهذا الحديث خاصةً.
ولهذا فقد حكم أبو زرعة الدمشقي بأن خالدًا أحفظ لهذا الحديث من أيوب -كما سبق-، وسبق كذلك ذكر الإشارة التي تُفهم من كلام أبي حاتم الرازي.
وتعاضد القرائن المقوية لرواية خالد تشهد لروايته بالراجحية، والله أعلم.
النظر في رجال المدار:
1 - أبو قلابة:
إمام حافظ.
2 - محمد بن أبي عائشة:
هو مولى لبني أمية، خرج معهم إلى الشام لما أخرجهم ابن الزبير، فسكن دمشق.
قال فيه ابن معين: " ثقة "، وقال أبو حاتم: " ليس به بأس "، وقال يعقوب الفسوي: " حدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم ... حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني حسان بن عطية، قال: حدثني محمد بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة. وهذا إسناد جيد ورجال ثقات " (المعرفة: 2/ 465).
3 - الرجل من الصحابة:
قال الحسيني: «لعل الرجل أبو هريرة» (الإكمال: 1392)، وكأنه استظهر هذا من أن لابن أبي عائشة رواية وسماعًا من أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأخرج له مسلم في صحيحه وبعض أهل السنن حديثًا عنه.
ويؤيد ذلك أيضًا: أن في الحديث: «إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه»، وهذا ما أفتى به أبو هريرة -رضي الله عنه-، قيل له: إنا نكون وراء الإمام، فقال: «اقرأ بها في نفسك»، أخرجه مسلم (395).
فإن كان الأمر كذلك؛ فهو أثبت في الاتصال، وإن لم يكن؛ فابن أبي عائشة سمع من أبي هريرة، وخروج بني أمية إلى الشام -حيث خرج معهم- كان بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة 64 (انظر: البداية والنهاية: 11/ 635 - 637)، وخروجه معهم في ذلك الوقت يدل على أنه متقدم، وعاصر جمعًا من الصحابة.
وقد ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، وقال ابن حجر: «ومحمد بن أبي عائشة تابعي معروف، روى عن أبي هريرة وجابر وغيرهما من الصحابة أيضًا، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من أقرانه وحسان بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وآخرون» (الإصابة: 6/ 340).
أما سماعه هذا الحديث بعينه من هذا الرجل من الصحابة؛ فلم أقف على ما يفيده، إلا أن ذلك لا يعني أن رواية ابن أبي عائشة عن الصحابة منقطعة، وينظر فيما نقله الأخ أبو محمد العائذي -وفقه الله- في مشاركته أعلاه.
وقد قال البيهقي: «هذا إسناد جيد» (الكبرى: 2/ 166)، وقال ابن حجر: «إسناده حسن» (التلخيص الحبير: 1/ 247)، وأفاد ذلك اتصالَهُ عندهما.
والله أعلم.
ولعل لي -بإذن الله- عودة فيها زيادة وإضافات في مرجحات رواية خالد الحذاء، وفي توجيه ترجيح الدارقطني للوجه المرسل.
ـ[حمد]ــــــــ[10 - Oct-2008, صباحاً 03:46]ـ
وفقك الله أخي حمد.
حديث ابن أبي عائشة ألا يصح أن يكون مخصِّصًا للآية؟
لا أخي محمد
لأن الأمر لا يخلو من إحدى حالتين:
1 - أن تكون الآية نزلت بعد هذا الحديث - وذلك محتمل - = فتكون الآية ناسخة له.
¥