هذا - أعني ترتيب البخاري- تنبيه إلى أن درء المفاسد - إذا كانت راجحةً - مقدم على جلب المصالح المرجوحة؛ ولهذا قال: مخافةَ أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، وروى البخاريُّ عن علي - رضي الله عنه - حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذبَ الله ورسوله؟!!
والمعنى: حدثوا الناس بما تدركه أفهامهم، حدثوا الناس بما تدركه أفهامهم، ودعوا ما تقصرعنه أفهامهم، مداركهم.
فإمام المسلمين من: حاكم، وقاضٍ، ومفتٍ؛ وكذلك مَن ولوا بعضَ الصلاحيات يجب عليهم أن يدرأوا المفاسد - إذا كانت راجحةً - على المصالح. وأدلة هذا مستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودليلها من الكتاب الكريم قول الحق - جلَّ ثناؤه - ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم))} سورة الأنعام آية 108 {هذا الآية ماذا تتضمن يابَنِيّ؟
تتضمنُ النهيَّ عن سبِّ آلهة المشركين؛ مع أن سبَّها قربة إلى الله - عز وجلَّ - والسر في ذلك؛ أو وسبب النهيِّ: أن المشركين يتعَدُّون على الله فيسبُّونَه.
وهذا الحديث شاهد الترجمة أُراه صريحا واضحا، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك ما كان عازما عليه من إصلاح الكعبة، وإعادتهاعلى قواعد إبراهيم، وما الذي منعه من ذلك - هو إمام المسلمين - صلى الله عليه وسلم -؟
ما الذي منعه؟
لولا قومك حديثٌ عهدهم.
وفي بعض الطرق: لولا حدثان قومك بكفر.
وفي رواية: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية .. إلخ.
((المتن))
49 - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟
127 - حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي بذلك.
128 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك أن رسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال يا معاذ بن جبل قال لبيك يا رسول الله وسعديك قال يا معاذ قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا قال إذا يتكلوا وأخبر بها معاذ عند موته تأثما
129 - حدثنا مسدد قال حدثنا معتمر قال سمعت أبي قال سمعت أنسا قال ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة قال ألا أبشر الناس قال لا إني أخاف أن يتكلوا.
((الشرح))
وهذا الباب مكرَّر ما قبله من حيث المعنى، وهو أن درءَ المفاسد الراجحة مقدم على المصالح المرجوحة؛ ويزيد شيئا آخر وهو: أنه يسوغ للإمام، والمعلم أن يختص بعضَ تلاميذته بعلم دون غيرهم؛ خشية أن لا يفهم هذا العلمَ الخاصَّ الآخرون.
هكذا: باب من خص بالعم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا؛ يعني القوم الآخرين.
وهاك مثالا يتضح به المقال والمقام - إن شاء الله تعالى -: فلو كنت معلما وتلاميذتك طبقات: قسم جامعي، وقسم كفاءة، وقسم في المرحلة الابتدائية؛ فمن تحدثه بتفصيل مراتب القدر؛ من حيث العام، والخاص؟
من تحدث به؟
الجامعي؛ لأنه وصل إلى مرحلة نضج - فيها - عقلُه، أما من دونه فلن تستطيع أن تحدثه بهذا.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خص معاذا بما سمعتم دون غيره؛ لأنه عَلِمَ - صلى الله عليه وسلم - من صاحبه معاذٍ الإدراك، أو امتيازه بالإدراك؛ بإدراك هذه النصوص فعنده - رضي الله عنه - ما ليس عند غيره؛ ولهذا لما قال: أفلا أبشرُ الناسَ.
قال: إذن يتكلوا؛ إذن يتكلوا.
((المتن))
50 - باب الحياء في العلم وقال مجاهد لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر وقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين
130 - حدثنا محمد بن سلام قال أخبرنا أبو معاوية قال حدثنا هشام عن أبيه عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة قالت جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأت الماء فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة قال نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها
¥