((الشرح))
الأصل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو النهيُ عن الحديث بعد العشاء كما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - النهيُ عن النوم قبلها؛ وذلكم لأنه السهرَ بعدها مظنة لتفويت صلاة الصبح، أو الكسل فيها، كما أن النومَ قبلها مظنة لتفويت العشاء.
وهذه القاعدة يُستثنى ما ترجم عليه المصنفُ - رحمه الله - وأورد ما سمعتم من الأحاديث.
وإن قال: كيف السمرُ من هذين الحديثين؛ أو ما وجه الاستدلال على ما ترجم عليه، وهو باب السمر في العلم؟
فالجواب:
أولا: في صنيعه - صلى الله عليه وسلم - موعظة أصحابه بعد العشاء؛ ويظهرُ أن الموعظة كانت طويلة، ولكن اقتصر البخاري - هنا - على بعض الحديث مراعاة للشاهد، وهذا خلاف عادته - صلى الله عليه وسلم -. يظهر أن هذا خلاف عادته؛ فإن الأغلب على حاله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه الانصراف بعد صلاة العشاء.
أما حديث ابن عباس - رضي الله عنه - فالشاهد - عندي - من وجهين:
الوجه الأول: في سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَه: نام الغُلَيْم؟ - والعوام يقولون: الغُلَيِّم - هذا تصغير غلام؛ ويظهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدَّثَ أهلَه حديثا خلاف ما جرت به عادتُه. هذا الوجه الأول.
الوجه الثاني: في كونه - صلى الله عليه وسلم - صلى عددا من الركعات، وائتم ابنُ عباس، وصلى بصلاته، ويسمع قراءته، وهذا باب من العلم.
كيف كان بابا من العلم؟!
لأن ابن عباس تعلم من النبي- صلى الله عليه وسلم - صلاة الليل، كما تعلم منه وقوف المأموم الصحيح؛ وهو عن يمين الإمام. يوضحه ما جاء مطولا عند المصنف في مواضع أخرى منها:
في تفسير سورة آل عمران: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام نظر إلى السماء فقرأ العشر الآيات من خواتيم سورة آل عمران: ((أن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .. )) إلى قوله ((يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)).
وهذا باب من أبواب العلم.
وإلى هنا انتهت مادة الشريط الثاني؛ وتبدأ مادة الشريط الثالث.
((المتن))
42 - باب حفظ العلم
118 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثني مالك عن بن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ثم يتلو {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدي} إلى قوله {الرحيم} إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون
119 - حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار عن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه قال ابسط رداءك فبسطته قال فغرف بيديه ثم قال ضم فضممته فما نسيت شيئا بعد حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا بن أبي فديك بهذا أو قال غرف بيده فيه
120 - حدثنا إسماعيل قال حدثني أخي عن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.
((الشرح))
الحمد لله رب العالمين؛ والعاقبة للمتفين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ولي الصالحين ورب الطيبين؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصيفه الأمين - صلى الله عليه - وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن مجموع ما ساقه المنصف - رحمه الله - في هذا الباب يتضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الحضّ على حفظ العلم؛ والتهييج عليه، وذلكم فيما ساقه من خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - وأنه كان منقطعا لطلب العلم.
وحفظ العلم فيه فائدتان:
¥