{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ}: والخشوع يكون بالتذلل والخضوع والاستكانة لله رب العالمين، كل هذا بالتدرج، والإنسان لا يصل إلى مرتبة الخشوع إلا إذا ارتاض باطنه بالإيمان، وأصبح مطوعاً لنفسه بألوان المجاهدات، كما قال بعض السلف: "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة"، وآخر يقول: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي"، فالقضية تحتاج إلى مزيد من بذل الجهد، فكلما تزداد مجاهدة كلما تتمكن من النفس، فإذا استقامت النفس وخضعت حصل الخشوع، فإذا رأيته ذكرت الله -عز وجل- وإذا وقعت عينك عليه أحببته، وهذه مراتب عالية في الإيمان.

ثم بعد ذلك يبرهن على إيمانه، {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ}: كلمة صدق تدل على قوة وثبوت في الشيء، الصداق -صداق المرأة- لماذا قيل له صداق؟ لأنه حق ثابت لها، الصدقة لماذا قيل لها: صدقة؟

النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((والصدقة برهان)) [17]: أي تبرهن على صدق دعوى الإيمان، كما أن بذل النفس في سبيل الله -عز وجل- يقال له: شهادة، المال حبيب إلى النفوس، وإخراجه يحتاج إلى مجاهدة:

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتالُ

{وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ}: والصوم والصبر متلازمان، وهو عبادة لا يطلع عليها أحد، فلا يدخلها الرياء، إلا إذا تصنع أمراً ظاهراً صحبه، ولذلك كان من شرف الصوم أنه لا يدخله الريا، وهكذا الأعمال القلبية أيضاً، لا يدخلها الريا؛ لأن الريا متعلق بالنظر والرؤية، لكن يدخله السمعة، يتحدث أنه صام.

والله يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [(10) سورة الزمر]: والله يعطي الصائم أجره غير منقوص كما في الحديث القدسي: ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) [18].

{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ}: انظر إلى هذا الترتيب كيف ذكر الصوم والصبر والخشوع، ثم ذكر حفظ الفرج، من كان بهذه المثابة فهل يقارف ما لا يليق؟ أبداً.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)) [19]: فالصوم والمقصود إكثاره وإدمانه -كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله- يورث كسر الشهوة، وهو كسر مؤقت، يورث كسر الشهوة إذا داوم الإنسان عليه وأكثر منه، وأدمن على الصيام، لا من يصوم يوم ويفطر أسبوع، هذا قد لا يؤثر فيه كسر هذه الشهوة.

{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}: يحفظ فرجه عن مقارفة ما لا يليق، كما قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [(5 - 7) سورة المؤمنون]: كل مقارفة ببذل الشهوة في غير الزوجة وملك اليمين فهي محرمة، سواء كانت بالزنا أو ما دونه بنص كتاب الله -عز وجل-.

وحفظ الفرج يشمل حفظ العورات، فلا تبدى أمام الناظرين، كما قال الله -عز وجل- في سورة النور: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [(30) سورة النور]: والذي عليه عامة المفسرين، وهو قول كبير المفسرين -ابن جرير الطبري -رحمه الله- والآية تشمل المعنيين والله أعلم- أن قوله في سورة النور: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}: أي عن إبدائها للأنظار، يغضوا من أبصارهم فلا ينظرون إلى عورات الآخرين، ويحفظوا فروجهم فلا يبدونها للناظرين، ويشمل حفظها أيضاً عما لا يليق من مقارفة ما لا يحل. {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}: حفظها بسترها وحفظها عن المقارفة المحرمة.

{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}: لا توجد عبادة في كتاب الله -عز وجل- قرنت بالكثرة كالذكر، {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [(41 - 42) سورة الأحزاب] {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [(103) سورة النساء]، لماذا؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015