{مَا يُتْلَىَ}: وما قال: ما ينزل؛ لأن بعض القرآن نزل في غير بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-. {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}: من القرآن والسنة فتشتغل بذلك تعلماً وتفهماً وتدبراً وتلاوة وحفظاً وعملاً.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}: اللطيف: هو الذي يعلم دقائق الأشياء، فيعلم خلجات النفوس، وما تنطوي عليه القلوب، ويعلم المرأة التي تخضع لأمر الله وتستجيب، والمرأة التي تتمرد وتقول: لماذا تكون المرأة محكومة بهذه الأحكام؟ ويعلم ما تفعله المرأة وهي داخل دارها -في بيتها- من حلال وحرام.
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}: والمعنى الآخر للطيف من اللطف، أي أن هذه الأحكام من لطف الله -عز وجل- ورأفته ورحمته بالمرأة المسلمة؛ لئلا يلحقها العنت، لئلا تشقى.
والخبير: هو الذي يعلم بواطن الأشياء، فالله -عز وجل- يعلم دقائق الأشياء، ويعلم بواطنها ولا يخفى عليه شيء، فلا يجوز لأحد أن يستدرك على الله -عز وجل- ويقول: إن هذه الأحكام لا تصلح لهذا القرن في هذا الزمان، أو الزمان قد تغير، أو المرأة ينبغي أن تقتحم جميع المجالات، وتثبت جدارتها ووجودها، والحقيقة والصواب أن تثبت المرأة جدارتها ووجودها بتربية الأجيال.
ثم قال –جل وعلا-: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [(35) سورة الأحزاب]: بدأ بالتدرج من الأدنى إلى الأعلى، الإسلام هو إسلام الظاهر، تلتزم المرأة بالحجاب، تلتزم بالحشمة، تلتزم بشرائع الدين الظاهرة.
{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}: فيكون ذلك مع خضوع الباطن، وانقياد القلب وتسليمه وإقراره واعتقاده، تكون مقتنعة منقادة بقلبها، لا لأن أباها أو أن زوجها يفرض عليها هذه الأمور، فلا تستطيع أن تتهتك وتلبس عباءة مخصرة، أو تتعرى بصورة من الصور، بل عن قناعة وإيمان تعتز بهذه الأمور.
{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} القنوت بجميع استعمالاته ومعانيه -كما قرر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في رسالة مستقلة في معنى القنوت- أن القنوت هو دوام الطاعة، فلا تلتزم بالقفازات والحجاب وأحكام الإسلام أسابيع ثم ترجع عن ذلك، يكون ذلك طفرة، ثم بعد ذلك يحصل لها الضعف والتراجع والانتكاس، بل القنوت هو دوام الطاعة حتى تلقى الله -عز وجل-، أن تبقى بالحشمة والحجاب والعمل الصالح والإيمان والكف عما لا يليق مما حرمه الله -عز وجل- وتدوم على ذلك حتى تلقى ربها.
{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: الصدق في الاعتقاد، الصدق صدق الباطن بأن يكون الإنسان على حال مرضية في باطنه، يعتقد الحق ويؤمن به وينقاد له، ويكون الصدق أيضاً بالقول فيتكلم بالحق وينطق به ولا يتكلم بالباطل ويلبس على الناس، أو يعترض على أحكام الله -عز وجل- بل تلتزم الصدق.
{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: ويكون الصدق أيضاً بالعمل والظاهر، فلا تظهر عملاً باطنها يخالفه، ويكون الصدق بالحال فلا تكون في حال غير متوافقة مع مكنونات نفسها.
{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: صدق الحال، وصدق المقال، وصدق العمل، وصدق الظاهر، وصدق الباطن، كل هذا من الصدق.
{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ}: هذه الأمور تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى صبر في سماعها؛ لأن النفوس قد مزجت فيها الأهواء وركبت معها تركيباً يمازجها.
والشريعة كما قال الشاطبي -رحمه الله-: "قد وضعت على خلاف وزان داعية الهوى"، فالهوى يجلبك من جهة، والشريعة تريد أن ترفعك من الهوى، فسماع الحق أحياناً يتأذى منه الإنسان، المرأة التي عندها هوى حينما تسمع هذه القضايا والأحكام تتأذى وتتألم كأنها سهام توجه إليها.
إن الإنسان يحتاج إلى صبر لتفهم هذه الأمور، ويحتاج إلى صبر في العمل والتطبيق؛ لأنه يعاب وينتقد وينتقص ويذم ويجد من يحرضه إلى الباطل والمنكر، والنفس تدعوه إلى الإخلاد إلى الشهوات والراحة والدعة، فيحتاج إلى صبر على طاعة الله -عز وجل- ويحتاج إلى صبر عن معصيته.
¥