لأن الذكر خفيف على اللسان، لا يحتاج إلى هيئة معينة أن تذكر وأنت قائم أو مستقبل القبلة أو قاعد، وأنت قائم وأنت على جنب بل في كل الأحوال، ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحواله -صلى الله عليه وسلم-[20].
فذكر الله لا يتطلب مشقة، وله أجر عظيم عند الله -عز وجل- ولهذا إذا أمر الله به غالباً يقرنه بالكثرة، فهنا قال: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا}: ووصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وذكر الله الكثير يشمل ذكره باللسان، وذكره بالقلب بطرح الغفلة، فلا يكون غافلاً مضيعاً مفرطاً، ويشمل ذكره أيضاً بالعمل، وهو من أجلِّ الذكر بالقيام والقعود في طاعة الله -عز وجل- والمشي إلى المساجد وما إلى ذلك، ويشمل ذكره بالحال، كل هذا من ذكره تبارك وتعالى.
{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ}: هذه اللفظة {أَعَدَّ} تدل على عناية بالمعَدّ، أعد الله لهم ماذا؟
{مغفرة}: ونكَّرها هنا، تعظيماً لها، فإن التنكير يأتي في كثير من الأحيان للتعظيم، {مغفرة}: أي عظيمة، وإذا قلت: رب اغفر لي فا المراد؟
هذا يشمل شيئين اثنين الأول: الستر، والثاني: الوقاية، ومنه المغفر الذي يضعه المقاتل من الحديد فوق رأسه كالقبعة؛ لأنه يقيه ضرب الحديد ويستر رأسه، أي يغطيه، فأنت إذا قلت: يا رب اغفر لي، اللهم اغفر لي، فأنت تسأل شيئين اثنين: الأول: أن تستر فلا تفتضح، أي يسترك الله في الدنيا والآخرة، والأمر الثاني: وهو أن يقيك الله -عز وجل- التبعة -تبعة الذنب والمعصية- فلا تؤاخذ بها، فالستر والوقاية، أن توقى شؤم الذنوب وتبعات المعاصي والمخالفات.
والأجر العظيم كما أخبر الله -عز وجل- أنه يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من كتاب الله عز وجل.
والكلام في هذه الآيات كلام يطول به المجلس، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وكان المقصود هو المذاكرة والعيش مع كتاب الله -عز وجل- في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى مثل هذه الذكرى، فأسأل الله -عز وجل- أن يغفر لي ولكم أجمعين ...