ويقدم راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى لسلامة المروي باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المروي بالمعنى ويقدم خبر الراوي الذي لم ينكر شيخه أنه حدثه على خبر من أنكر شيخه الذي روى عنه روايته له عنه، وان قلنا بأن إنكاره لا يضر.

ويقدم ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما إلى غير ذلك.

وكثير مما ذكر من المرجحات باعتبار السند لا تخلو من خلاف، ولكن له كله وجه من النظر.

الوجه الثاني من الترجيح الترجيح بأمر يعود إلى المتن وقد ذكر العلامة الشيخ الشنقيطي في كتابه "مذكرة أصول الفقه"عدة مرجحات من هذا النوع منها:

اعتضاد أحد الدليلين المتعارضين بكتاب أو سنة وغير ذلك من الأدلة، كأحاديث صلاة الصبح فإن في بعضها التغليس بها أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الأسفار بها، فتعضد أحاديث التغليس بعموم قوله تعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم "،

وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي والآخر يتفق على رفعه.

وكأن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر متصلاً، فالمتصل أولى لأنه متفق على الاحتجاج به وذلك مختلف فيه.

ومنها كثرة الأدلة فالخبر الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدم على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة.

ومنها أن يكون المتن قولاً فهو مقدم على الفعل كما أن الفعل مقدم على التقرير.

وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله عليه وسلم. ويفهم منه أن ليس كل قول أقوى بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل.

ومنها الفصاحة، فالخبر يقدم على غير الفصيح يقدم على غير الفصيح للقطع بأن غير الفصيح مروي بالمعنى لفصاحته صلى الله عليه وسلم ولا عبرة بزيادة الفصاحة، فلا يقدم الخبر الأفصح على الفصيح. وقيل يقم عليه لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح العرب فيعد نطقه بغير الأفصح فيكون مرياً بالمعنى فيتطرق إليه الخلل وأجيب بأنه يعد في نطقه بغير الأفصح لأنه كان يخاطب العرب بلغاتهم.

ومنها الزيادة، فالخبر المشتمل على الزيادة يقدم على غيره لما فيه من زيادة العلم كخبر التكبير في العيد سبعاً مع خبر التكبير فيه أربعاًًً، خلافاً لمن قدم الأقل كالحنفية.

ومنها ورود أحد الخبرين على علو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقوته، ودلالة الآخر على الضعف وعدم القوة، فما اشعر بعلو شأنه مقدم على غيره لأن الشعر بعلو شأنه معلوم أنه هو المتأخر.

ومنها أن يتضمن الخبر قصة مشهورة بأنه يقدم على المتضمنة قصة خفية لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها، قال القرافي.

ومنها ذكر السبب فالخبر المذكور فيه السبب مقدم على ما ليس كذلك لاهتمام راوي الأول به، واهتمامه دليل على كمال ضبطه للمروي لأنه يترتب عليه عادة.

وأيضاً فإن علم السبب يعين على فهم المراد، ولأجل ذلك اعتنى المفسرون بذكر أسباب نزول الآيات.

ومنها أن يكون أحد الخبرين رواه رواية عن شيخة بدون حجاب مع أن الثاني رواه من وراء حجاب كرواية القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أن بريرة عتقت في حال كون زوجها عبداً على رواية الأسود بن يزيد عنها أنه حراً، لأن القاسم كان محرما لها لكونها عمته، وكان يسمع منها بدون حجاب بخلاف الأسود.

ومنها الخبر المدني فانه مقدم على الخبر المكي لتأخره عنه. ومعلوم أن المدني ما روى بعد الشروع في الهجرة، والمكي ما روى قبل الشروع فيها، فيشمل المدني ما ورد بعد الخروج من مكة وقبل الوصول إلى المدينة في سفر الهجرة. هذا هو الاصطلاح المشهور في المدني والمكي ولذا كان المشهور عندهم في آية: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " إنها مدنية مع أنها نزلت بالجحفة في سفر الهجرة كما قاله غير واحد.

ومنها التهديد، فالخبر الذي فيه تهديد وتخويف مقدم على ما ليس كذلك، ومثل له بعضهم بحديث عمار رضي الله عنه، من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. ففي الحديث تخويف من صوم يوم الشك بأنه معصية للرسول صلى الله عليه وسلم فيقدم هذا الحديث على الأحاديث المرغبة في صوم النفل.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015