فان قيل: التخويف المذكور من كلام الراوي فليس ترجيحاً باعتبار حال المتن، فالجواب أن حكمه الرفع، إذ لا يقال من جهة الرأي، نعم للناظر أن يقول: في التمثيل المذكور نظر، لأنه تقديم خاص على عام فلا تعارض أصلاً، ويمكن أن يجاب بان الخاص إنما رجح على العام في خصوص ما تعارضا فيه فقط والله تعالى أعلم.
ومنها عدم التخصيص، فالعام الذي لم يدخله تخصيص، مقدم على العام الذي دخله تخصيص، وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ويقول الشيخ الشنقيطي: لم أعلم أحداً خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي.
ويقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة على الصحيح لضعف مفهوم المخالفة بالخلاف في حجتيه كما تقدم. وشذ من قال بتقديم مفهوم المخالفة، ولا يخفى ضعف قوله وبعده عن الصواب.
الوجه الثالث: الترجيح بأمر خارجي
وقد ذكر له الشيخ الشنقيطي رحمه الله عدة أمور منها:
يقدم الحاظر على المبيح - والحظر المنع - ومثال تقديم الحاظر على المبيح تقديم عموم قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين)، المقتضي بعمومه منع الأختين بملك اليمين على عموم .. (أو ما ملكت أيمانهم) الشامل بعمومه للأختين بملك اليمين، وهذا مبيح وذلك حاظر فقد الحاظر على المبيح.
ووجه تقديم الحاظر على المبيح، أن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وزاد بعض الأصوليين تقديم الخبر الدال على الأمر على الدال على الإباحة.
ووجه ذلك هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، وأن الخبر الدال على النهي مقدم على الدال على الأمر، ووجهه عندهم أن درئ المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن أمثلته عند القائل به: ترك تحية المسجد في وقت النهي.
ومنها كون أحد الخبرين ناقلاً عن حكم الأصل، ومثاله حديث "من مس ذكره فليتوضأ". مع حديث " وهل هو إلا بضعة منك بأن هذا الأخير نافياً لوجوب الوضوء موافق للبراءة الأصلية، والخبر الموجب له ناقل عن حكم الأصل، وعكس بعضهم فرجح المبقي على الأصل بالبراءة الأصلية، والمشهور عند الأصوليين الأول.
وكذلك رواية الإثبات، فإنها مقدمة على رواية النفي ومثاله: حديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة مع حديث أنه لم يصل فيها، وحديث أن المتمتعين مع النبي صلى الله عليه وسلم سعوا لحجهم وسعوا لعمرتهم مع حديث أنهم لم يسعوا إلا سعي العمرة الأول، ولم يسعوا للحج.
والظاهر أن المثبت والنافي إذا كانت رواية كل منهما في شيء معين في وقت معين واحد أنهما يتعارضان. فلو قال أحدهما: دخلت الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كذا ولم أفارقه ولم يغب عن عيني حتى خرج منها ولم يصل فيها، وقال الآخر رأيته في ذلك الوقت بعينه صلى فيها فانهما يتعارضان فيطلب الترجيح من جهة أخرى والله أعلم. وهذا أصوب من قول من قدم المثبت مطلقاً ومن قدم النافي مطلقاً. ووجه تقديم رواية المثبت أن معه زيادة علم خفيت على صاحبه، وقد عرفت أن ذلك لا يلزم في جميع الصور مما ذكرناه آنفاً.
المصنفات في مختلف الحديث:
قد صنف فيه الإمام الشافعي كتاباً مستقلاً وهو أوَّل من تكلَّم فيه، وعقد في كتابه " الأم " فصلاً طويلاً، ولم يقصد رحمة الله استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقة هذا العلم.
كما صنف فيه ابن جرير, والطَّحَاوي في كتابه «مُشْكل الآثار»، وابن قتيبة إلا أن العلماء قالوا في كتاب ابن قتيبة أتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة لكون بعض الترجيحات غيرها أقوى وأولى منها، وقد ترك أيضا معظم المختلف.
====
ينظر للمبحث:
تَدْريبُ الرَّاوِي في شَرْح تَقْريب النَّواوي النوع السادس والثلاثون،ومقدمة ابن الصلاح، والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث،ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي،وشرح الورقات للشيخ صالح الفوزان.
ـ[عبدالله السني]ــــــــ[23 - Jul-2008, صباحاً 10:09]ـ
اختصار الحديث
المقصود به هل يجوز اختصار الحديث، فيحذف بعضه، إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمذكور؟
والعلماء في ذلك على قولين:
فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري: اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.
الموقظة للذهبي - (ج 1 / ص 14)
وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديماً وحديثاً.
وقد قال الذهبي:" اختصار الحديث وتقطيعه جائز إذا لم يخل معنى. ومن الترخيص تقديم متن سمعه على الإسناد، وبالعكس، كأن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الندم توبة، أخبرنا به فلان عن فلان.
وقال ابن حجر: "الأكثرون على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل، فإنه قد ينقص ما له تعلق؛ كترك الاستثناء ".
الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 18)
ولذا قال ابن الحاجب:"حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ، كان مالك يفعل ذلك كثيرا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: انقص الحديث ولا تزد فيه.
====
ينظر للمبحث:الموقظة للذهبي،و نزْهة النَّظَر في تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَر،وما حررناه في مسألة رواية الحديث بالمعنى.
¥