ووجه الجمع بينهما: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله تبارك وتعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لأعدائه مرضه.
ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب: ففي الحديث الأول: نفى صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقده الجاهل من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال: " فمن أعدى الأول ". وفي الثاني: أعلم بأن الله سبحانه جعل ذلك سببأ لذلك، وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده، بفعل الله سبحانه وتعالى.
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما،وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخأ والآخر منسوخأ، فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
والثاني: أن لا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما، فيلجأ حينئذ إلى الترجيح، و يعمل بالأرجح منهما والأثبت من خلال طرق الترجيح المتعددة.
طرق الترجيح بين النصوص المتعارضة:
يكون الترجيح في الأخبار التي ظاهرها التعارض من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول يتعلق بالسند.
والوجه الثاني يتعلق بالمتن.
والوجه الثالث يتعلق بالترجيح بأمر خارجي.
وأما الأول: الترجيح بالسند فمن عدة اعتبارات:
أولا: الترجيح بكثرة الرواية.
ثانيا: الترجيح بثقة الراوي، وضبطه وقلة غلطه.
ثالثا: الترجيح بورع الراوي وتقاه لشدة تحرزه فتقدم روايتة على رواية من هو دونه في ذلك.
رابعا: الترجيح بأن يكون الراوي صاحب القصة كحديث ميمونة أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.
خامسا: الترجيح أن يكون الراوي مباشراً للقصة كحديث أبي رافع - رضي الله عنه - بذلك، لأنه هو السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة رضي الله عنه. فكلاهما أي صاحب القصة ميمونة والمباشر لها وهو أبو رافع يرجحان على حديث ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم.
وللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرة منها: علو السند، فالسند الذي هو أعلى يقدم على غيره لأن قلة الوسائط بين المجتهد وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أرجح من كثرتها لأن قلة الوسائط يقل معها احتمال النسيان والاشتباه والزيادة والنقص.
ومنها: السلامة من البدع فالراوي غير البدعي أرجح من الراوي البدعي.
ومنها: فقهه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيه في البيوع مثلا يقدم خبره على غير الفقيه فيها.
وكذا يقدم زائد الفقه على غيره، ولذا قالت المالكية يقدم خبر رواه ابن وهب في الحج على ما رواه ابن القاسم فيه لأنه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره.
ويقدم عندهم العالم باللغة على غير العالم بها، والعالم بالنحو على غير العالم به، لأن الخطأ منهما في فهم مقاصد الكلام أقل، ويقدم الفطن على من دونه.
ويقدم المشهورة بالعدالة على المعدل بالتزكية.
ويقدم الراوي الذي زكاه المجتهد باختباره اياه على المزكى عنده بالاخبار إذ ليس الخبر كالعيان.
ويقدم من زكى تزكية صريحة على من زكى تزكية ضمنية كالحكم بشهادته والعمل براويته.
ويقدم من زكاه جماعة كثيرون على من زكاه واحد مثلاً.
ويقدم غير المدلس على المدلس.
ويقدم حافظ الخبر الذي يسرده متتابعاً على من ليس كذلك، وهو من يتخيل اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلف، ومن لا يقدر على التأدية أصلاً لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مويه عن فلان.
ويقدم عندهم الذكر عن الأنثى إلا إذا علم أنها أضبط من الذكر, فتقدم عليه، وكذلك إن كانت صاحبة القصة قدمت على الذكر، قال بضعهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلا بما يرجح به الرجل على الرجل، وفصل بعض العلماء فقال: يرجح الذكر في غير أحكام النساء بخلاف أحكامهن كالحيض والعدة فيرجحن فيها على الذكور لأنهن أضبط فيها.
ويقدم الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته خفاء كالأجمال، ولأجمل ذلك يقدم الروي بالسماع على الروي بالإجازة لأن السماع طريق واضح في إفادة المروي بيان تفصيله بخلاف الإجازة لما فيها من الأحمال.
وتقدم رواية المكلف وقت التحمل على رواية من هو صبي وقت التحمل. والحال أنه أدى بعد البلوغ للاختلاف في المحتمل قبل البلوغ، وقدم الاختلاف في التحمل بعد البلوغ لأن ما لا خلاف فيه يقدم على ما فيه خلاف وان كان المشهور المعروف قبول رواية من تحمل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ.
¥