وبما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله يتبين أنه يمكن التوفيق بين الآراء الثلاثة، فمن قال: إن فيه الصحيح والضعيف، لا ينافي القول بأن جميع ما فيه حجة؛ لأن الضعيف إذا صار حسناً لغيره يكون حجة، ومن قال: إن فيه الموضوع حمل على ما في زيادات عبد الله وأبي بكر القطيعي.

وقد صنف الحافظ ابن حجر كتاباً سماه: "القول المسدد في الذب عن المسند" ذكر فيه الأحاديث التي حكم العراقي عليها بالوضع، وأضاف إليها خمسة عشر حديثاً، مما ذكره ابن الجوزي ثم أجاب عنها حديثاً حديثاً، وعقب السيوطي عليه بما فاته مما ذكره ابن الجوزي، وهي أربعة عشر حديثاً في جزء سماه: "الذيل الممهد.

وقال السيوطي: اعْتُرض على التمثيل «بمسند» أحمد بأنَّه شرط في «مسنده» الصَّحيح.

قال العِرَاقي: ولا نُسَلِّم ذلك, والَّذي رواه عنه أبو موسى المَديني: أنَّه سُئلَ عن حديث فقال: انظرُوه, فإن كان في «المسند» وإلاَّ فليسَ بحجَّة, فهذا ليس بصريح في أنَّ كل ما فيه حُجَّة, بل ما ليس فيه ليس بحجَّة ... قال: وأمَّا وجُود الضَّعيف فيه فهو مُحقق, بل فيه أحاديث موضُوعة جمعتُها في جُزء, ولعبد الله ابنه فيه زيادات, فيها الضَّعيف والموضُوع. انتهى ...

وقال شيخ الإسلام ابن حجر في كتابه «تعجيل المنفعة في رجال الأربعة»: ليس في «المسند» حديث لا أصل له, إلاَّ ثلاثة أحاديث أو أربعة, منها: حديث عبد الرَّحمن ابن عوف أنَّه يدخل الجنَّة زحفًا.

قال: والاعتذار عنهُ, أنَّه مِمَّا أمر أحمد بالضَّرب عليه, فتُركَ سهوًا, أو ضُرب وكتب من تحت الضَّرب.

وقال في كتابه «تجريد زوائد مُسند البزَّار»: إذا كان الحديث في «مسند» أحمد لم نَعْزُه إلى غيره من المسانيد.

وقال الهيثمي في «زوائد المسند»: «مسند» أحمد أصح صحيحًا من غيره.

وقال ابن كثير: لا يُوازي «مسند» أحمد كتاب مسند في كثرته وحُسْن سياقاته, وقد فاتهُ أحاديث كثيرة جدًّا, بل قيل: إنَّه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في «الصَّحيحين» قريبًا من مئتين .... قال العِرَاقيُّ: ولا يلزم من ذلك أن يكون جميع ما فيه صحيحًا, بل هو أمثله بالنسبة لما تركه, وفيه الضَّعيف.

مراجع الفقرة: تدريب الراوي للسيوطي طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (1/ 172 - 173).

زيادات عبد الله بن أحمد والقطيعي:

يقول الدكتور: عامر حسن صبري في كتابه (زوائد عبد الله بن أحمد في المسند):

((ذكرتُ فيه ما انفرد عبد الله عن أبيه من حديث بتمامه أو من حديث شاركه فيه, وفيه زيادة عنده, أو من طريق صحابي آخر غير الصحابي الذي روى له الإمام أحمد, وإن كان المتن واحداً.

فعلى هذا الاعتبار لم أجعل الأحاديث التي يرويها عبد الله عن أبيه وغيره من الزوائد, فإن هذه الأحاديث إنما يرويها عبد الله لفائدة: كعلوّ السند وغيره .. وهذا الذي تقرر عندي بعد البحث والاستقراء, وعليه كان عمل الأئمة المخرِّجين ...

ثم يقول: وهذا الذي تقرّر عندي هو الذي ذهب إليه أيضاً الأستاذ: أحمد عبد الرحمن البنا -رحمه الله- فقد قال في مقدمة الفتح الرباني (1/ 19) ما فحواه:

بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:

•1 - قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعاً منه وهو المسمّى بمسند الإمام أحمد, وهو كبير جداً يزيد على ثلاثة أرباع الكتاب, وهو الذي يقال في أول سنده: حدثنا عبد الله, حدثنا أبي ...

•2 - وقسم سمعه عبد الله من أبيه وغيره, وهو قليل جداً.

•3 - وقسم رواه عبد الله عن غير أبيه, وهو المسمى عند المحدثين: بزوائد عبد الله. وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول.

•4 - وقسم قرأه عبد الله على أبيه, ولم يسمعه منه, وهو قليل.

•5 - وقسم لم يقرأه عبد الله على أبيه ولم يسمعه منه, ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده, وهو قليل جداً.

•6 - وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه, وهو أقل الجميع.

قال الشيخ أحمد البنا: وكل هذه الأقسام من المسند إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله, والسادس فإنه من زوائد القطيعي, والله أعلم.

قلت-والكلام للدكتور عامر صبري-: ولي ثلاث ملاحظات على ما قال الشيخ:

الملاحظة الأولى: قوله في القسم الثاني الذي سمعه عبد الله من أبيه وغيره: قليل جداً؛ غير مسلّم, فإن هذه الأحاديث تزيد على تسعمائة حديث .. فهي تزيد على الأحاديث التي انفرد بها عبد الله في زوائده.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015