ـ[أبو الفداء]ــــــــ[30 - May-2008, مساء 05:47]ـ
الحمد لله وحده ..
أخانا أبا فهر، وفقك الله، الأمر كما ذكر الأخ ربيع - ولعل أحد الاخوة قد ذكر مثله فيما تقدم من مداخلات - أن الرأي اما مذموم واما محمود .. فمنه ما لا يخالف في مذمته مسلم، وهو ما يرد به قائله نصا قطعي الثبوت والدلالة، أو يخالف به اجماعا ثابتا لا يعلم له مخالف من السلف .. فهذا مذموم قولا واحدا، ومنه ما يلزم القيام به من معرفة الأشباه والنظائر لاستنباط ما لم يقع فيه نص صحيح بين يدي المجتهد، فيفرع على الأصول العامة ويقارب الى الشبيه والنظير ويبني الحكم على ذلك، وهذا هو القياس والرأي المحمود الذي عمل به السلف ودلت السنة على الترغيب فيه بحديث الأجر والأجرين.
وان كان هذا وذاك من الحلال والحرام، فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات .. يختلف فيها الناس بأفهامهم ومقادير عقولهم وما رزقوا من العلم بالسنة ..
وأنا أقول أليس واجب طالب العلم ان وقعت يده على حديث صحيح لا خلاف في صحته، أن يتهم فهمه هو ان رأى فيه ما يخالف الأصول المتفق عليها؟؟ فكيف يخالف حديث لا خلاف على صحته، أصلا من الأصول التي لا خلاف على صحتها واطرادها كذلك؟؟ هذا لا يقع في دين الله! أما أن يتسرع الناظر ويقول هذا الحديث يخالف أصل كذا وكذا من الأصول الرواسخ - مع أنه قد صححه الأئمة ولم يثبت عن أي منهم طعن فيه - فيقول هذا يدخل تحت علة الشذوذ، وقد انتبهت أنا لهذا ولم يسبقني اليه أحد من أهل صننعة الحديث، فأنا لي اذا عذر في ردي تصحيحهم وتقديمي لرأيي عليه، فهذا هو عين ما نذمه من تقديم الرأي على النص، والعقل على النقل! وحري بمثل هذا أن يجتهد أولا في سلوك طرق الجمع بين هذا الحديث وبين ما ظن أنه يخالفه من آية أو حديث أو اجماع أو أصل من الأصول! والجمع مقدم على الترجيح، والأخذ مقدم على الترك ..
أما ما وقع الخلاف في صحته من النصوص، فلعل مخالفته للأصول أن تكون من مرجحات ضعفه، ويكون في ذلك متسع لمن لم ير حجيته ولم ير العمل به .. الا أن يترجح عنده الصحة من جهة السند، وبعد نظر دقيق في كلام أهل الحديث فيه تصحيحا وتضعيفا، فحينئذ يكون حجة عليه يلزمه النظر في كيفية الجمع بينه وبين ما ظهر له تعارضه معه من الأصول ..
وينبغي أن يعلم أن الذين يتساهلون في رد الحديث المختلف في صحته، أو الذي ليس على صحته اجماع - كما يتذرعون، اعتمادا على الرأي وعلى القول بمخالفة الأصول، هؤلاء قد يتلبسوا بذلك بجرح من لم يقل أحد من أئمة الجرح بطعن في روايته، فيكونون بذلك عرضة للدخول في مخالفة ما عليه السلف أو ما لم يعرف فيه خلاف بين المتقدمين، في شأن رجال ذلك الحديث الذي ردوه لا للنظر في رجاله وانما للنظر في موافقة متنه لما رسخ عندهم من الأصول.
وكما لا يخفى عليكم أن النظر في المتن ليس مقدما على النظر في السند، فالذي يدين أهل السنة به ربهم أنه لن يثبت على ثقة ضابط، وثقته الأمة بلا مخالف، تورط في نقل لقول فاسد أو نسبة لكلام باطل الى الرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث المعنى أو المقتضى .. فهذه نقطة تغيب عن أذهان الكثيرين عند خوضهم في باب نقد المتن ..
وأقول ان كان الأصل الفقهي مجمعا عليه، ولا يعلم في القرون الفاضلة مخالف له، فهذا ان جاءنا نص لحديث يخالفه، هل يتصور أن نجد رجاله جميعا عدولا ثقات، لا خلاف على عدالتهم بين النقاد؟؟ هذا لا يجوز وما كان ليقع، لأن معناه وقوع التناقض بين اجماعين، الاجماع على الأصل الذي يظن مخالفة المتن له، والاجماع على عدالة رواة ذلك المتن وضبطهم= وهذا ممتنع قطعا.
ـ[أبو الفداء]ــــــــ[30 - May-2008, مساء 06:38]ـ
وأسجل اتفاقي معكم في أصل من الأصول التي طرحتموها في بحثكم، ألا وهي أن النص الواحد ليس هو - بالضرورة - السنة أو ما انتهى اليه علم السلف وعملهم .. فلعله أن يكون قد نسخ بنص آخر جاء بعده، أو يجب جمعه الى نص آخر يخصص ما فيه من عموم أو يعمم ما فيه من خصوص أو يوجهه وجهة أخرى، أو يتبين منه أنه كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمر به أمته او ما الى ذلك .. وحالنا من هذا كما ذكرتم ليس كحال الصحابة اذ أنهم كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يستطيعون يرونه بلا واسطة ويتلقون عنه مباشرة، فما كان من أمره لهم فهذا هو الحق المطلق القطعي بلا خلاف
¥