وَأَمَّا خَبَر الْوَاحِد: فَهُوَ مَا لَمْ يُوجَد فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ سَوَاء كَانَ الرَّاوِي لَهُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ. وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ؛ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ: أَنَّ خَبَر الْوَاحِد الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا، وَيُفِيدُ الظَّنَّ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَأَنَّ وُجُوب الْعَمَل بِهِ عَرَفْنَاهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ. وَذَهَبَتْ الْقَدَرِيَّة وَالرَّافِضَة وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر إِلَى أَنَّهُ يَجِب الْعَمَل بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول: مَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: مَنَعَ دَلِيلُ الشَّرْعِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ يَجِب الْعَمَل بِهِ مِنْ جِهَة دَلِيل الْعَقْل. وَقَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة: لَا يَجِب الْعَمَل إِلَّا بِمَا رَوَاهُ اِثْنَانِ عَنْ اِثْنَيْنِ. وَقَالَ غَيْره. لَا يَجِب الْعَمَل إِلَّا بِمَا رَوَاهُ أَرْبَعَة عَنْ أَرْبَعَة. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيث إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ الْآحَادَ الَّتِي فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَوْ صَحِيح مُسْلِم تُفِيدُ الْعِلْمَ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْآحَاد. وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْقَوْل وَإِبْطَاله فِي الْفُصُول وَهَذِهِ الْأَقَاوِيل كُلّهَا سِوَى قَوْلِ الْجُمْهُور بَاطِلَةٌ، وَإِبْطَالُ مَنْ قَالَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ظَاهِرٌ؛ فَلَمْ تَزَلْ كُتُبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآحَادُ رُسُلِهِ يُعْمَلُ بِهَا، وَيُلْزِمُهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَمَلَ بِذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَلَمْ تَزَلْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ وَسَائِر الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَفِ عَلَى اِمْتِثَال خَبَر الْوَاحِد إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِسُنَّةٍ، وَقَضَائِهِمْ بِهِ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقَضَاء وَالْفُتْيَا، وَنَقْضِهِمْ بِهِ مَا حَكَمُوا بِهِ خِلَافه، وَطَلَبِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحُجَّة مِمَّنْ هُوَ عِنْده وَاحْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَانْقِيَادِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ مَعْرُوفٌ لَا شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَالْعَقْل لَا يُحِيل الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد وَقَدْ جَاءَ الشَّرْع بِوُجُوبِ الْعَمَل بِهِ، فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ يُوجِبُ الْعِلْمَ: فَهُوَ مُكَابِرٌ لِلْحَسَِ. وَكَيْفَ يَحْصُلُ الْعِلْمُ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مُتَطَرِّقٌ إِلَيْهِ؟ وَاَللَّه أَعْلَمُ.

[ SIZصلى الله عليه وسلم="5"]/// يا أخي الكريم .. أنت تلفِّق بين قولك وقول النَّووي بطريقة [ ... ] ظاهرةٍ للعيان!

لقد نسبتَ أوَّلًا القول بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد لكثيرٍ من العلماء فلمَّا طُولبت ببيان ذلك نقلت إلينا كلام النَّووي السَّالف الذِّكر، الذي لا حجة فيه لك؛ والذي هوأضيق مضمونًا من دعواك الواسعة.

/// تأمَّل -وأظنُّك مدركه قبلي! - كلامك الأول:

الكثير من العلماء قالوا أن أمور الاعتقاد لا يؤخذ فيها بأحاديث الاحاد، حيث أن الخطأ والنسيان والوهم يمكن أن يتطرق الى رواتها

/// وأنا سائلك: هل في نقلك السَّالف الطويل عن النَّووي رحمه الله كلمةٌ واحدةٌ في مسألة التفرقة بين العمل والإفادة بين مسائل الاعتقاد وغيرها؟!

/// يا أخي .. كلام النَّووي حجَّة عليك لا لك؛ فهو يتكلَّم عن إفادة الخّبر، وقد تقدَّم في الموضوع السَّابق الذي تركته وجئت تتكلَّم ههنا! أنَّه لا يعنينا كثيرًا إفادة الخَبَر من جهة التَّقسيم العقلي للظنِّ أوالعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015