وذلك لما في نشرها من تعظيم للقبور _ولو لم يقصد المصور والناشر ذلك_ وهذا فيه ذريعة عريضة للشرك بالله عز وجل، ولمخالفته للنص الشرعي الصريح الناهي عن ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم عن اليهود والنصارى: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (3873) ومسلم (528) من حديث عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك.
وما روى مسلم (970) في النهي عن تمييز القبور وتعظيمها عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ).
ومعلوم عند العقلاء أن تصوير القبور نوع تمييز وتعظيم لها لا سيما إذا رافق ذلك نشر لتلك الصور.
وأيضا نشر مثل هذه الصور مبني على الكذب والتخرص فإنه لم يصح من قبور الأنبياء والرسل عليهم السلام سوى قبرين، هما:
1. قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، وهو منقول بالتواتر، ولم يشك فيه أحد.
2. وقبر الخليل إبراهيم عليه السلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في غير ما موضع من مجموع الفتاوى وفي المجموعة الرابعة من جامع المسائل: (القبر المتفق عليه هو قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقبر الخليل فيه نزاع، لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره).
وقال في موضع آخر من كتاب جامع المسائل: (وأما قبر الخليل عليه السلام قالت العلماء على أنه حق، لكن كان مسدوداً بمنزلة حجرة النبي، ولم يكن عليه مسجد، ولا يصلي أحد هناك، بل المسلمون لما فتحوا البلاد على عهد عمر بن الخطاب بنوا لهم مسجداً يصلون فيه في تلك القرية، منفصلاً عن موقع الدير، ولكن بعد ذلك نقبت حائط المقبرة كما هو الآن النقب الظاهر فيه، فيقال: إن النصارى لما استولوا على البلاد نقبوه وجعلوه كنيسة، ثم لما فتحه المسلمون لم يكن المتولي لأمره عالماً بالسنة حتى يسده، ويتخذ المسجد في مكان آخر، فاتخذ ذلك مسجداً، وكان أهل العلم والدين العالمون بالسنة لا يصلون هناك).
وقال أيضا: (كل مشهد أوقبر أضيف لنبي من الأنبياء سوى نبينا محمد وأبينا إبراهيم عليهما السلام فهو كذب محض، لعدم قيام الدليل على ذلك، مثل المشاهد المضافة إلى كل من نوح، وهود، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ويونس، وإلياس، واليسع، وشعيب، وموسى، وزكريا، ويحيى عليهم السلام)
وإليك بعض توضيح ذلك:
1. القبر المضاف إلى هود عليه السلام بجامع دمشق، هو قبر معاوية، لأن هود بعث باليمن وهاجر إلى مكة ولم يذهب إلى الشام، وقيل إنه مات بمكة، وقيل باليمن.
2. كان بحران مسجد يقال له مسجد إبراهيم يظن الجهال أنه إبراهيم الخليل، وإنما هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عباس، الذي كانت دعوة الخلافة العباسية له، فحبس هناك حتى مات وأوصى بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور.
3. المسجد الذي كان بجانب عُرَنَة – الذي بني في موضعه مسجد عرفة – الذي يقال له مسجد إبراهيم، فإن بعض الناس يظن أنه إبراهيم الخليل، وإنما هو من ولد العباس، والمسجد إنما بني في دولة بني العباس، علامة على الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر يوم عرفة.
4. القبر المنسوب إلى نوح عليه السلام ببعلبك كذب قطعاً.
5. القبران المنسوبان لزكريا ويحيى عليهما السلام بالمسجد الأموي بدمشق كذب محض أيضاً.
وللمزيد راجع المجموعة الرابعة من جامع المسائل.
وهذه فتوى أجابت عليها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
السؤال:
¥