الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على كتاب معالي وزير العدل المحال إليها من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم 1437 وتاريخ 17/ 8/1392هـ والمشتمل على ما تضمنه خطاب رئيس المؤسسة الثقافية في سيلان من الاستفتاء عما يفعله بعض المصلين في جامع الحنفي في كولمبو: من أنهم يقفون في الجانب الأيمن من المسجد وأمامهم صورة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يتلون الصلاة عليه. ويطلب رئيس المؤسسة الثقافية هناك بيان الفتوى الشرعية في هذه المسألة ومعرفة حكمها.
الجواب: أجابت عليها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
إن إدخال صورة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد ما أو إحداثها فيه بدعة منكرة، والمثول عندها والوقوف أمامها بدعة أخرى منكرة أيضًا؛ حدا الناس إليها غلوهم في الصالحين، وأوقعهم فيها تجاوزهم الحد في تعظيم الأنبياء والمرسلين. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في الدين؛ فقال: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ"، ولم يعهد هذا العمل عن الصحابة ومن بعدهم من خير القرون رضي الله عنهم مع تفرقهم في البلاد وبعدهم عن المدينة المنورة، وقد كانوا أعظم منا حبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر تقديرًا وأحرص على الخير وأتبع للدين، فلو كان هذا العمل مشروعًا لما تركوه ولا أهملوه؛ بل هو ذريعة إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله. لذلك حذروه وصانوا أنفسهم عن الوقوع فيه، فعلينا معشر المسلمين أن نقفوا آثارهم، ونسلك سبيلهم، فإن الخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد، وذلك ببنائها عليها أو الصلاة عندها أو دفن الأموات فيها؛ خشية من الغلو في الصالحين وتجاوز الحد في تقديرهم فيفضي بهم ذلك إلى دعائهم من دون الله والاستعانة بهم في الشدائد، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه ألا يجعل قبره وثنًا يعبد، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، تحذيرًا للمسلمين من أن يصنعوا مثل صنيعهم فيقعوا في مثل ما وقعوا فيه من البدع والوثنية.
هذا وإن تصوير قبور الصالحين في المساجد أو تعليقها على جدرانها أو اتخاذ الصالحين فيها في حكم دفنهم في المساجد أو بنائها على قبورهم، فإنها جميعها ذريعة إلى الوثنية الجاهلية ومدعاة إلى عبادة غير الله. وذرائع الشر مما يجب على المسلمين سد بابها؛ حماية لعقيدة التوحيد وصيانة لهم من الوقوع في مهاوي الضلال. .
روى البخاري ومسلم: أن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور؛ فقال: "أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ".
ولهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ - وَهُوَ كَذَلِكَ-: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ؛ يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا"، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ".
وروى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، وروى أبوداود في سننه: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ".
فأمر صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه حيثما كنا، وأخبر أن صلاتنا تبلغه أينما كنا حين صلاتنا عليه؛ دون أن يكون أمامنا قبره أو صورة قبره، فإحداث تلك الصور ووضعها في المساجد من البدع المنكرة التي تفضي إلى الشرك والعياذ بالله. فيجب على علماء المسلمين أن ينكروا ذلك على فاعليه، وعلى أولي الأمر والشأن أن يزيلوا صورة القبور من المساجد؛ قضاء على الفتنة وحماية لحمى التوحيد.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ... انتهى كلام اللجنة ..
وإن كانت الفتوى هنا مدارها على تعليق صورة قبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في مسجد ما، إلا أن الحكم ينساق أصوليا إلى نشر صورة قبره أوقبر غيره من الأنبياء في أي مكان كان.
وذلك لما سبق إيراده من أدلة، ولأن هذه القبور مكذوبة نسبتها للأنبياء عليهم السلام ونشر الكذب حرام.
والله أعلم.
والحمدلله رب العالمين ...
¥