قال ابن قدامه: وَهَذَا كُلُّهُ وَاسِعٌ , وَكَيْفَمَا اسْتَعَاذَ فَهُوَ حَسَنٌ اه- 72.
قال الشافعي: وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَأَيُّ كَلَامٍ اسْتَعَاذَ بِهِ أَجْزَأَهُ ا. هـ 73.
المسألة الرابعة: هل يستعذ قبل القراءة أم بعدها؟ (زمن الاستعاذة)
لِلْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْقِرَاءَةِ ثَلَاثَةُ أقوال:
أصحها: أَنَّهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ , وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ , وَذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ , وَنَفَى صِحَّةَ الْقَوْلِ بِخِلَافِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِـ:
بمَا رَوَاهُ أَئِمَّةُ الْقُرَّاءِ مُسْنَدًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ [أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] 74. وقد دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ هُوَ السُّنَّةُ.
فقد ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ السَّلَفِ ... الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
واَلَّذِينَ نَقَلُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام ذَكَرُوا تَعَوُّذَهُ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الْقِرَاءَة ِ 75.
والِاسْتِعَاذَةُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِنَفْيِ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج:52)
فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ 76.
أما [قَوْلُ مَنْ قَالَ: الِاسْتِعَاذَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ شَاذٌّ] 77وهذا القول مَنْسُوبٌ إلَى مَالِكٍ 78.
واستدلوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ {فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ}. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ , وَالْفَاءُ هُنَا لِلتَّعْقِيبِ.
قال ابن العربي: انْتَهَى الْعِيُّ بِقَوْمٍ إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّ الْقَارِئَ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حِينَئِذٍ يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .... 79
وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَجَدْنَاهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} الْآيَةَ قَالَ: ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ , وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ , وَلَا يُعَضِّدُهُ نَظَرٌ ..... وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لَكَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ دَعْوَى عَرِيضَةً لَا تُشْبِهُ أُصُولَ مَالِكٍ , وَلَا فَهْمَهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ 80.
قَالَ الجصاص: قَوْلُهُ: {فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ} يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ , كَقَوْلِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا} ا. هـ81.
لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْفَاءَ ... لِلْحَالِ كَمَا يُقَالُ:
إذَا دَخَلْتَ عَلَى السُّلْطَانِ فَتَأَهَّبْ. أَيْ: إذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَتَأَهَّبْ 82.
وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِطْلَاقِ مِثْلِهِ، وَالْمُرَادُ إذَا أَرَدْت ذَلِكَ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}.
وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ تَسْأَلَهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ بَعْدَ سُؤَالٍ مُتَقَدِّمٍ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 83.
¥