الثاني: أن عائشة رضي الله عنها روي عنها ما يخالفه ـ ثم ذكر روايته المتقدمة وهي قصة تزويج حفصة من المنذر ـ ثم قال: ونحن نحمل قوله زوجت أن مهدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك وإذنها فيه، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها حتى عقد النكاح، ويدل على صحةهذا التأويل ما أخبرنا ـ ثم أسند ما سنذكره فيما بعد من روايته له في السنن ـ ثم قال: فإذا كان مذهبها ما روي من حديث عبد الرحمن بن القاسم علمنا أن المراد بقوله "زوّجت" ما ذكرناه، فلا يخالف ما روته عن النبي ?، قال: والعجب من هذا المحتجّ بحكاية ابن علية في ردّ هذه السنة وهو يحتجّ برواية الحجاج بن أرطأة في غير موضع، وهو يردّها ههنا عن الحجاج عن الزهري بمثله، ويحتج أيضاً برواية ابن لهيعة في غير موضع، ويردّها ههنا عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري بمثله، فيقبل رواية كلّ واحد منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه، ومعهما رواية ثقة ().
وقال في السنن: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي رحمه الله أنبأنا الثقة عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة رضي الله عنها تخطب إليها المرأة من أهلها فنشهد فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح ().
قال البيهقي: هذا الأثر يدلّ على أن الذي أخبرنا ـ ثم ذكر حديث مالك ـ ثم قال: إنما أريد به أنها مهّدت تزويجها ثم تولى عقد النكاح غيرها فأضيف التزويج إليها لإذنها في ذلك وتمهيدها أسبابه.
قلت: أما الأمر الأول فلم أقف عليه، وأما الثاني فليس كما ذكر، لأن الطحاوي نفسه قد رواه من طريقين عن ابن إدريس متصلاً كما سيأتي بيانه فيما بعد.
قال الطحاوي رحمه الله بعد أن أطال في كلامه على حديث عائشة وأبي موسى وأعلهما من جميع الطرق المتقدمة، وقد ذكرنا كلامه بتمامه في موضعين من هذا الكتاب وأجبنا قدر طاقتنا العلمية عن بعض ما أعلّهما به قال:
وما كلامي في هذا إرادة الإزراء على أحد ممّن ذكرت ولا أعدّ مثل هذا طعناً، ولكنّي أردت بيان ظلم هذا المحتجّ وإلزامه من حجة نفسه ما ذكرت، ولكنّي أقول: إنه لو ثبت عن النبي ? أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) لم يكن فيه حجة لما قال الذين احتجّوا به لقولهم في هذا الباب، ولأنه قد يحتمل معاني:
فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا إن ذلك الولي هو أقرب العصبة إلى المرأة، ويحتمل أن يكون ذلك الولي من تولية المرأة من الرجال قريباً كان منها أو بعيداً، وهذا المذهب يصح به قول من يقول: لا يجوز للمرأة أن تتولّى عقد نكاح نفسها وإن أمرها وليها بذلك، ولا عقد نكاح غيرها ولا يجوزأن يتولى ذلك إلا الرجال.
وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثل ذلك:
حدثنا محمد بن خزيمة () قال: حدثنا يوسف بن عديّ قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها () جارية من بني () أخيها فضربت بينهما بستر ثم تكلمت حت لم يبق إلا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت: ((ليس إلى النساء النكاح)) ().
قلت: وذكر الطحاوي احتمالاً ثالثاً سنذكره بعد الكلام على سند هذا الحديث الذي أورده مستشهداً به لصحة الاحتمال الثاني.
وهذا الحديث قد أخرجه ابن حزم من طريق الطحاوي أيضاً قال: حدثنا الحسن بن غليب، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن ابن جريج فذكره ().
وابن جريج مدلّس وقدرواه بالعنعنة، وقد سبق أن البيهقي أخرجه من طريق الشافعي عن الثقة عن ابن جريج، وفيه جهالة الثقة وعنعنة ابن جريج أيضاً، لكن للحديث أصلوهو ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، فإن القصةواحدة غير أن بعض الرواة اختصرها وبعضهمرواها بلفظ أتم، وفي آخر الحديث من هذا الطريق زيادة لم يذكرها مالك في روايته وهي قوله "حتى إذا لم يبق إلا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح" وفي رواية الشافعي عن الثقة عن ابن جريج ما يقارب هذا اللفظ وهو قوله " فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوّج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح" ولذلك فقد استدلا البيهقي بهذا اللفظ على تأويل لفظ حديث مالك بأن
¥