قال ابن حزم: وهو قول جابر بن زيد ومكحول وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وابن المبارك وفي ذلك خلاف قديم وحديث ().
قلت: وممن قال بهذا القول من الصحابة علي بن أبي طالب وابنمسعود، ومن التابعين شريح ومسروق وسعيد بن المسيب وعكرمة بن خالد كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
رأي الإمام الطحاوي
وممّن تكلم على هذا الحديث وأطال النفس في الكلام عليه وأعله من جميع طرقه وبالغ في تأويل متنه الإمام المحدث الكبير أبو جعفر الطحاوي رحمه الله، فقد أخرجه من طريق ابن وهب عن ابن جريج، ومن طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج أيضاً، ثم من طرق عن الحجاج عن الزهري، وعن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري، وعن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الزهري ()، ثم قال:
فذهب إلى هذا قوم فقالوا: لا يجوز تزويج المرأة نفسها إلا بإذن وليها، ومّن قال ذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهما واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لمرأة أن تزوج نفسها ممّن شاءت وليس لوليها أن يعترض عليها في ذلك إذا وضعت نفسها حيث كان ينبغي لها أن تضعها.
قلت: وهو قول الشعبي وأبي حنيفة وزفر.
قال: وكان من الحجة لهم أن حديث ابن جريج الذي ذكرناه عن سليمان بن موسى قد ذكر ابن جريج أنه سأل عنه ابن شهاب فلم يعرفه، حدثنا بذلك ابن أبي عمران قال: أخبرنا يحيى بن معين، عن ابن علية، عن ابن جريج بذلك.
قلت: قد تقدم الجواب عن حكاية ابن علية في أكثر من موضع.
قال أبو جعفر: وهم يسقطون الحديث بأقل من هذا، وحجاج بن أرطأة فلا يثبتون له سماعاً عن الزهري، وحديثه عنه عندهم مرسل، وهم لا يحتجون بالمرسل، وابن لهيعة فهم ينكرون على خصمهم الاحتجاج عليهم بحديثه فكيف يحتجون به عليه في مثل هذا؟.
قلت: للحديث ثلاث طرق عن الزهري، وله طريق رابع عن هشام بن عروة عن أبيه، وابن لهيعة وحجاج بن أرطأة قد تابعهما سليمان بن موسى عن الزهري وهو ثقة، وللحديث شواهد قوية من حديث أبي موسى وأبي هريرة وابن عباس فلا مرية في صحته.
قال الطحاوي: ثم لو ثبت ما رووا من ذلك عن الزهري لكن قد روي عن عائشة رضي الله عنها ما يخالف ذلك.
حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ? أنها زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام فلما قدم عبد الرحمن قال: أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ فكلمت عائشة (عن) () المنذر فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمراً قضيتيه () فقرت حفصة عنده ولم يكن ذلك طلاقاً ().
قال: وحدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن القاسم فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني حنظلة وأفلح، عن القاسم بن محمد في حفصة بمثل ذلك.
قال الطحاوي: فلما كانت عائشة رضي الله عنها قد رأت أن تزويجها بنت عبد الرحمن بغير () أمره جائز، ورأت ذلك العقد مستقيماً حتى أجازت فيه التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح وثبوته استحال عندنا أن يكون ترى ذلك وقد علمت أن رسول الله ? قال: ((لا نكاح إلا بولي)) فثبت بذلك فساد ما روي عن الزهري في ذلك.
قلت: وقد أجاب البيهقي في المعرفة على كلام الطحاوي هذا فقال: وقد أعلّ بعض من يسوّي الأخبار على مذهبه هذا الحديث بشيئين.
أحدهما: ما رواه بإسناده عن ابن علية أن ابن جريج سأل الزهري عنه فأنكره ـ ثم أسند البيهقي عن أحمد وابن معين أنهما ضعّفا رواية ابن علية هذه ـ ثم قال: فهذان إمامان قد وهّنا هذه الرواية مع وجوب قبول خبر الصادق وإن نسي من أخبر عنه.
¥