قال الحافظ في الفتح في باب الخلع بعد أن ذكر أن ابن عباس خالف روايته التي رواها أن الخلع طلاق، ثم أفتى بأن الخلع فسخ قال: وفي الحديث أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى أن المعتبر ما رواه لا ما رآه، لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس الدالّة على أن الخلع طلاق، وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق ().
قلت: وقد أخذ الجمهور بجملة من الأحاديث التي رويت عن رسول الله ? وروي عن أصحابها أنهم عملوا أو أفتوا بخلافها، وقد استوعب ابن القيم في إعلام الموقعين سرد هذه الأحاديث ثم قال: والذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله ? ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان، لا راويه ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو لا يحضره وقت الفتيا أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحاً ويقوم في ظنّه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس الأمر أو يقلّد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أوقى منه.
ولو قدّر انتفاء ذلك كلّه ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنّه لم يكن الراوي معصوماً ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك ().
وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه:
إذا روى الصحابي عن رسول الله ? حديثاً ثم روي عن ذلك الصحابي خلاف لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي ? لا قبول رأيه.
ثم روى بسنده عن أبي شعيب البناني عن ابن سيرين قال: حدثني أفلح أن أبا أيوب الأنصاري ? كان يفتيهم بالمسح ويخلع، فقيل له فقال: رأيت رسول الله ? يمسح ولكن حبّب إليّ الغسل.
وروى بسنده عن الشعبي، عن مسروق بن الأجدع قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ? فخطب الناس فقال: أيها الناس ما إكثاركم في صدقات النساء؟ فقد كان رسول الله ? فيما بين أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى أو مكرمة لم تسبقوهم إليه فلأعرفنّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أو ما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذاك؟ قال: قالت: أو ما سمعت الله تعالى يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} قال: فقال: اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر ثم قال: أيها الناس إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل ().
قلت: ويستخلص ممّا تقدم أن الاحتمالات المسوغة لترك الراوي روايته والعمل بخلافها كثيرة، ومن الأمثلة الدالّة على صحة ما ذكره ابنالقيم من هذه الاحتمالات ما رواه الخطيب في كتابه الآنف الذكر عن أصحاب رسول الله ? فقد روى ثلاثة آثار وقد اكتفينا بذكر اثنين منها فمن شاء فليراجع ذلك في موضعه.
الوجه الثالث
أن قول الزهري "إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها جاز" لا يلزم منه ترك ما رواه عن رسول الله ? ومن ثم الأخذ بفتواه، لأن المعتبر ما رواه لا وما أفتى به كما قدمنا، لا سيما وقد نسي الزهري هذا الحديث كما قال ابن علية فلذلك أفتى بخلاف روايته.
وقد أخذ بهذا الحديث جماعة من السلف وتركوا ما روي عن عائشة والزهري من مخالفتهما له.
قال ابنحزم رحمه الله: وممّن قال بمثل قولنا جماعة من السلف، ثم حكاه عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابنعباس وحفصة أم المؤمنين، ثم قال: وروينا نحو هذا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها () وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي، وروينا عن الحجاج بن المنهال حدثنا أبو هلال قال: سألت الحسن فقلت: أبا سعيد امرأة خطبها رجل ووليها غائب بسجستان ولوليها ههنا ولي أيزوجها ولي وليها قال: لا ولكن اكتبوا إليه قلت له: إن الخاطب لا يصبر قال: فليصبر، قال له رجل: إلى متى يصبر قال الحسن: يصبر كما صبر أهل الكهف.
¥