قلت: وهذا قول غريب جداً وما علمت عليه دليل ولا اصطلاح عند أهل العلم، بل المعروف عندهم خلاف ذلك، فقد روى الأكابر عن الأصاغر والأقران عن أقرانهم وذهب بعضهم إلى بعض حتى لقد طافوا الأرض في طلب الحديث الواحد، ومكحول من الرحالين في طلب الحديث قال ابن إسحاق: سمعت مكحول يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى أبو وهب عن مكحول قال: عتقت بمصر فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى ثم أتيت الشام فغربلتها ().

والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام متفق على جلالته وإتقانه.

قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند.

وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير.

وقال أيوب السختياني: ما رأيت أعلم منه.

وقال بقية: حدث شعيب بن أبي حمزة قال: قيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب، قال: ثم من؟ قال: ابن شهاب ().

قلت: فإذا كان ابن شهاب بهذه المنزلة فكيف لا يأتي مكحول إليه وهو من أشد الناس حرصاً على طلب الحديث ومجالسة أهله، لا سيما وقد نزل الزهري بالشام واجتمع عليه الكثير من أهلها، وقد سئل مكحول من أعلم من لقيت فقال: ابن شهاب، فهذا دليل صريح على لقائهما وسماع كل منهما لحديث الآخر.

وأما قوله: "وسليمان بن موسى متكلم فيه" ثم ذكره بعض أقوال أئمة الجرح والتعديل فيد دون أن يذكر قول من وثقه، ثم تعجبه من البيهقي كيف يذكر توثيق سليمان بمثل هذا الإسناد ولا يذكر من تكلم فيه.

فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:

الأول: أن سليمان بن موسى قد تقدمت ترجمته، ومن تأملها وأنصف القول فيه تبين له أنه صدوق فقيه يتفرد بأحاديث لا يرويها غيره، ولكن لم يتفرد بهذا الحديث، فقد روي من وجهين آخرين عن الزهري، ومن وجه ثالث عن هشام بن عروة، عن أبيه كما سيأتي.

الثاني: أن تعجب ابن التركماني من البيهقي مردود عليه، لأنه ذكر قول من تكلم في سليمان ولم يذكر قول من وثقه، وقد اختصر قول أبي حاتم فلم يذكره كاملاً وإنما قال: وقال أبو حاتم: في حديثه بعض الاضطراب.

وقد قال أبو حاتم: محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه.

الثالث: أن الإسناد الذي انتقده ابن التركماني إسناد حسن فلا مؤاخذة على البيهقي في ذكره توثيق سليمان بهذا الإسناد.

المقام الثاني:

لقد اعترض ابن التركماني على البيهقي فيما أسنده عن ابنمعين أنه قال: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية ـ يعني قول ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه ـ ولقد قال: على تقدير صحة هذا عن ابن معين أي شيء يلزم من انفراد ابن علية بهذا وقد كان من الأئمة الحفاظ، ثم ذكر قول أحمد "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقول شعبة "ابن علية سيد المحدثين" وقول غندر "نشأت يوم نشأت وليس أحد يقدم في الحديث على ابنعلية، ثم قال: على أنه لم ينفرد بذلك بل تابعه عليه بشر بن المفضل، ثم ذكر ما رواه ابن عدي في الكامل عن الشاذكوني عن بشر وهو ما أشار إليه الشيخ الألباني آنفاً، ثم ذكر قول أبي داود "ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن المفضل.

وقبل الجواب عن هذا الاعتراض ينبغي أن يلاحظ عليه ما يأتي:

أولا: أنه لم يذكر قول ابن معين بتمامه، بل اقتصر على الكلمة الأولى منه، وهي لا تفيد العلة التي من أجلها قال ابن معين هذا القول.

وثانياً: كان يلزمه أن يعترض على البيهقي فيما أسنده عن الإمام أحمد من إنكار حكاية ابن علية الآنفة الذكر، لأن سكةتع عن ذلك يوهم أن ابن معين تفرد بالطعن في حكاية ابن علية وليس الأمر كذلك، فقد أنكرها أحمد كما تقدم.

ونحن نجيب عن اعتراضه على البيهقي بالجواب الآتي:

قوله "على تقدير صحة هذا عن ابن معين" وهذا يوهم أن في سنده ضعف أو مقال، وقد أخرجه البيهقي من طريقين صحيحين عنه.

وقوله "أي شيء يلزم من انفراد ابن علية وقد كان من الأئمة الحفاظ" وهو كما قال ولكن في سماعه من ابن جريج ضعف كما بينه ابن معين.

وقوله "على أنه لم ينفرد بذلك تابعه عليه بشر بن المفضل" وفي سنده سليمان الشاذكوني وهو متهم بالكذب كما تقدم.

ولما كان ابن التركماني قد ذكر سليمان بن داود الشاذكوني في غير هذا الموضع واستدل على جرحه بما نقله عن أئمة الجرح والتعديل وأفسد الإسناد المروي من طريقه هناك كان لزاماً عليه أن لا يحتجّ به هنا وحاله كما عرف، ولكنه إذا رأى الحديث موافقاً لمذهبه دافع عنه، وإن لم يكن كذلك طعن فيه، ومن تتبع أقواله في الجوهر النقي واعتراضاته على البيهقي تبين له ذلك، وهذا هو نص كلامه في الموضع المشار إليه قال: والشاذكوني قال الرازي: ليس بشيء، متروك الحديث، وقال البخاري: هو عندي أضعف من كل ضعيف، وقال ابنمعين: ليس بشيء، وقال مرة: كان يكذب ويضع الحديث ().

قلت: فقد سقط كما ترى الاعتبار بهذه الرواية التي زعم ابن التركماني أنها تصلح متابعة لابن علية لسوء حال الشاذكوني كما ذكره ابن التركماني نفسه عن البخاري وابن معين وغيرهما.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015