وقال الذهبي في الكاشف: ثقة يغرب، وقال في الميزان: كان ابن مصفى ثقة صاحب سنة من علماء الحديث لحق سفيان بن عيينة وآخر أصحابه موتاً عبد الغفار بن سلامة، وقع لنا من عواليه وحج في آخر عمره فأدركه الأجل بمنى سنة ست وأربعين ومائتين ().
2ـ وأما قوله "وبقية معروف الحال" فهذا يوهم أنه ضعيف أو ساقط أو نحو هذا، وليس الأمر كذلك، ونحن نذكر نبذة من ترجمته ليكون القارئ لهذا البحث على بينة من حاله، وهو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد الحمصي، قال ابن المبارك: كان صدوقاً ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر.
وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفاً في روايته عن غير الثقات.
وقال أبو زرعة: بقية عجب، إذا روى عن الثقات فهو ثقة وذكر قول ابن المبارك الذي تقدم ثم قال: وقد أصاب ابن المبارك في ذلك، ثم قال: هذا في الثقات فأما في المجهولين فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون.
وقال النسائي: إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة، وإذا قال عن فلان فلا يؤخذ عنه لأنه لا يدري عمن أخذه.
وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه، وبقية صاحب حديث ويروي عن الصغار والكبار، ويروي عنه الكبار من الناس، وهذه صفة بقية ().
قلت: ويستخلص ممّا تقدم أن بقية إذا صرح بالسماع عن الثقات وخصوصاً عن أهل بلده فحديثه صحيح، وإلا فلا يحتج بحديثه، وقد صرح في هذا الإسناد بالسماع فأمنّا من تدليسه، وشيخه شعيب بن أبي حمزة حمصي من أثبت الناس في الزهري، وكذلك الراوي عنه محمد بن مصفى حمصي أيضاً وقد صرح بالسماع من بقية، فالإسناد حسن على أقل أحواله.
وقد ورد ما يدل على أن الزهري أثنى على سليمان بن موسى من غير هذا الطريق.
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ـ هو ابن علية ـ حدثنا ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن موسى عن الزهري فذكر الحديث بتمامه وزاد في آخره: قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه قال: وكان سليمان بن موسى وكان فأثنى عليه ().
قلت: لكن رجح الشيخ محمد ناصر الدّين الألباني أن الثناء المذكور على سليمان إنما هو من ابن جريج لا من الزهري، واستدل بما أخرجه العقيلي في ترجمة سليمان بن موسى ولفظه: قال ابن جريج: وكان سليمان وكان يعني في الفضل، قال: وهو ظاهر عبارة أحمد في مسنده، بخلاف ما رواه عنه الحاكم منطريق أبي حاتم الرازي قال: سمعت أحمدبن حنبل يقول وذكر عنده أن ابن علية يذكر ابنجريج في "لا نكاح إلا بولي" قال ابنجريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى ثم ذكر قول أحمد () ثم قال: فظاهر قوله "أثنى" إنما هو الزهري، لأنه أقرب مذكور، وقد صار هذا الظاهر نصاً في نقل الحافظ في التلخيص () لهذه العبارة عن الحاكم فزاد فيها: وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه.
فكأن الحافظ رحمه الله رواه بالمعنى الظاهر من عبارة المستدرك غير أن هذا الظاهر غير مراد لما تقدم من رواية العقيلي التي هي نص على خلاف ما فهم.
نعم قد رواه ابن عدي على نحو ما عزاه الحافظ للحاكم، فروى من طريق الشاذكوني، حدثنا بشر بن المفضل، عن ابن جريج فذكر الحديث قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه فقلت له: إن سليمان بن موسى حدثنا به عنك قال: فعرف سليمان وذكر خيراً وقال: أخاف أن يكون وهم عليّ.
قال الشيخ الألباني: لكن الشاذكوني هذا متّهم بالكذب، فلا يعارض بروايته رواية ابن علية عن ابن جريج ().اهـ
قلت: ولست أوافقه على ما ذهب إليه لأمرين:
الأول: لقد ثبت أن الزهري أثنى على سليمان بن موسى كما رواه البيهقي بإسناد حسن عنه، وهو الإسناد الذي نحن في صدد الكلام عليه.
الثاني: ولقد ثبت في رواية الحاكم المتقدمة ما يدل على أن الثناء المذكور إنما هو من الزهري لا من ابن جريج كما ذهب إليه الحافظ في التلخيص.
وهناك أمر آخر وهو من المحتمل أن يكون ابن جريج قد أثنى على سليمان بن موسى كما أثنى عليه الزهري، وقد وقع عند البخاري في تاريخه كما وقع للعقيلي في روايته الآنفة الذكر ().
3ـ وأما قول ابن التركماني: "والزهري معدود من أصحاب مكحول وممّن روى عنه فكيف يقول: إن مكحول يأتيه، هذا بعيد".
¥