قال أبو عمرو: ومن روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين خلافاً لقوم من أصحاب أبي حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك وبنوا عليه ردّهم حديث سليمان بن موسى عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ? ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل ... )) الحديث، من أجل أن ابن جريج قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه، وكذا حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ? ((قضى بشاهد ويمين)) ()، فإن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال: لقيت سهيلاً فسألته عنه فلم يعرفه.

قال ابن الصلاح: والصحيح ما عليه الجمهور، لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان، والراوي عنه ثقة جازم فلا يردّ بالاحتمال روايته، ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي ويسوق الحديث.

وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها عن من سمعها منهم فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا.

وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب أخبار من حدث ونسي ().اهـ

قلت: وقد حقق هذه المسألة أيضاً وأطال في تحقيقها في الكفاية فقد مثّل لها بما أخرجه من طريق الشافعي قال: أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ? بالتكبير.

قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال: لم أحدثكه، قال عمرو: قد حدثنيه، قال: وكان من أصدق موالي ابن عباس.

قال الشافعي: كأنه نسيه بعد ما قد حدثه إياه.

ومن طريق وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم قال: كان زوج بريرة عبداً، قال شعبة: لقيته بواسط فسألته عنه فلم يعرفه.

ثم قال: وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه، فقال أهل الحديث وعامّة الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وجمهور المتكلمين أن العمل به واجب إذا كان سامعه حافظ والنسي له بعد روايته عدل، وهو القول الصحيح.

وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة أنه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل به، قالوا: ولهذا لزم إطراح حديث الزهري في المرأة تنكح بغير إذن وليها، وحديث سهيل بن أبي صالح في القضاء باليمين مع الشاهد، لأنهما لم يعترفا به لما ذكراه.

ثم أخرج هذين الحديثين ثم قال: والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه إذا كان راوي الخبر الذي نسيه عدلاً والذي حفظه عنه عدلاً فإنهما لم يحدثا إلا بما سمعاه ولو احتملت حالهما غير ذلك لخرجا عن حكمالعدالة، (وكان السهو) () والنسيان غير مأمون على الإنسان، ولا يستحيل أن يحدثه وينسى أنه قد حدثه وذلك غير قادح في أمانته ولا تكذيب لمن روى عنه ().

وقال ابن حبّان:

وقد أوهم هذا الخبر من لم يحكم صناعة الحديث أنه منقطع بحكاية حكاها ابن علية، عن ابن جريج أنه قال: ثم لقيت الزهري فسألته عن ذلك فلم يعرفه، وليس هذا ممّا يقدح في صحة الخبر، لأن الضابط من أهل العلم قد يحدّث بالحديث ثم ينساه، فإذا سئل عنه لم يعرفه، فلا يكون نسيانه دالاً على بطلان الخبر، وهذا المصطفى ? خير البشرصلّى فسهى، فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فلما جاز على ما اصطفاه الله لرسالته في أهم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حين نسي، فما سألوه أنكر ذلك ولم يكن نسيانه دالاً على بطلان الحكم الذي نسيه، كان جواز النسيان على من دونه من أمّته الذين لم يكونوا بمعصومين أولى ().اهـ

قلت: وممّا يقوي حجة ابن حبّان هذه ما احتج به ابن حزم في المحلّى فقد قال بعد لأأن ذكر حكاية ابنعلية وجواب ابن معين عنها: فقد روينا من طريق مسلم بن الحجاج، حدثنا ابن نمير قال: قال لي عبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها قالت: كان النبي ? يسمع قراءة رجل في المسجد فقال: ((رحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها)).

ثم روى من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنالا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن النبي ? صلّى الفجر فأغفل آية فلما صلى قال: ((أفي القوم أبي بن كعب؟)) فقال له أبي بن كعب: يا رسول الله أغفلت آية كذا أو نسخت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل أنسيتها)).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015