الفقرة الأولى: قوله فكان من الحجة عليهم أن هذا الحديث على أصلهم لا تقوم به حجة وذلك أن من هو أحفظ من إسرائيل وأثبت منه قد رواه عن أبي إسحاق منقطعاً ـ إلى قوله ـ فصار أصل هذا الحديث عن أبي بردة عن النبي ? برواية شعبة وسفيان وكل واحد منهما عندهم حجة على إسرائيل فكيف إذا اجتمعا ().
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
1ـ زيادة الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة بل هو ثبت في أبي إسحاق.
2ـ وتابعه غير واحد من الثقات كما تقدم منهم الإمام أبو حنيفة، فهل له أن يرد رواية إمامه أو ينتقص من قدره.
3ـ ومع ذلك فقد روي هذا الحديث من غير طريق أبي إسحاق وهو طريق متصل كما سيأتي.
الفقرة الثانية:
قوله ((قد روى عن أبي عوانة هذا كما ذكرتم ولكنا نظرنا في أصل ذلك فإذا هو عن أبي عوانة عن إسرائيل عن أبي إسحاق ... )).
أقول: قد تقدم أنه لم يروه عن أبي عوانة هكذا غير مُعلّى بن منصور الرازي وأن الثقات خالفوه في ذلك فلم يذكروا أنه رواه عن إسرائيل وأن أبا عوانة صرح بسماعه من أبي إسحاق وأن الإمام أحمد ترك الرواية عن معلى لكثرة خطئه في الحديث.
الفقرةالثالثة:
قوله: ((قد رواه قيس كما ذكرتم وقيس عندهم دون إسرائيل فإذا انتفى أن يكون إسرائيل مضاداً لسفيان ولشعبة كان قيس أحرى أن لا يكون مضاداً لهما)).
الجواب عن هذه الفقرة هو:
1ـ نحن لا ننكر أن قيساً عندنا دون إسرائيل وأن إسرائيل أيضاً عندنا دون شعبة وسفيان، ولكن إسرائيل أثبت عندنا في أبي إسحاق من جميعا أصحابه.
قال محمد بن مخلد: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري.
وقال حجاج (بن محمد): قلنا لشعبة حدثنا حديث أبي إسحاق قال: سلوا عنها إسرائيل فإنه أثبت فيها مني ().
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: إسرائيل ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق ().
2ـ وقد ذكرنا في الجواب على الفقرة الأولى أن أكثر أصحاب أبي إسحاق قد رواه موصولاً، وسنذكر فيما بعد عدة أمور معتبرة لترجيح الوصل على الإرسال.
الفقرة الرابعة:
قوله: ((فإن قالوا: فإن بعض أصحاب سفيان قد رواه عن سفيان مرفوعاً كما رواه إسرائيل وقيس ـ إلى قوله ـ قيل لهم: قد صدقتم قد روى هذا بشر بن منصور عن سفيان كما ذكرتم، إلى آخر كلامه.
فالجواب عنه من وجوه:
1ـ ليست حجتنا ما رواه بشر بن منصور عن سفيان، ولكن ما رواه إسرائيل وغير واحد عن أبي إسحاق.
2ـ ورواية بشر إنما هي موافقة لروايات كثيرة موصولة فهي أيضاً صالحة للاحتجاج بها، وقد توبع بشر عن سفيان كما تقدم.
3ـ وكما أسلفت فإن الاعتماد في هذا الحديث على طرقه وشواهده الكثيرة وعلى تصحيح من صححه من أئمة الحديث وحفاظه كالبخاري والترمذي والذّهلي وابن المديني وغيرهم.
هل الراجح الوصل أو الإرسال؟
والذي يراه البخاري والترمذي ترجيح الوصل، فقد سئل البخاري عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ? قال: ((لا نكاح إلا بولي)) فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث ().
وقال الترمذي: رواية هؤلاء الذي رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ? ((لا نكاح إلا بولي)) عندي أصح، لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول قال رسول اللّه ? ((لا نكاح إلا بولي)) فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن أبي إسحاق () هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم ().اهـ
¥