قلت: وحديث شعبة الذي استدل به الترمذي على أن سماعهما من أبي إسحاق وقع في مجلس واحد أخرجه البيهقي من طريق الحسن بن سفيان قال: سمعت أبا كامل الفضيل بن الحسين يقول: حدثنا أبو داود، عن شعبة فذكره وزاد في آخره: قال الحسن: ولو قال عن أبيه لقال نعم ().
قلت: ويستخلص مما تقدم أمور:
الأول: أن البخاري والترمذي يرجحان الوصل على الإرسال.
الثاني: أن ابن مهدي يقدم إسرائيل في أبي إسحاق على سفيان الثوري.
الثالث: أن الذين وصلوه جماعة وقد سمعوه من أبي إسحاق من لفظه في أوقات مختلفة.
الرابع: أن سماع شعبة وسفيان لهذا الحديث من أبي إسحاق كان في مجلس واحد، وهذا السماع ليس من لفظ أبي إسحاق وإنما كان عرضا عليه من سفيان وشعبة يسمع بخلاف رواية الجماعة فإنها محمولة على السماع من لفظه كما صرح به أبو عوانة قال: حدثنا أبو إسحاق، فلا شك أن رواية الجماعة أولى بالترجيح.
الخامس: أن هذا الحديث رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ويونس قديم السماع من أبي إسحاق، ورواه إسرائيل كذلك عن جده أبي إسحاق وهو من أثبت الناس في حديثه حتى قال ابن مهدي: إنه يحفظ كما يحفظ الحمد، ولا شك أن آل الرجل أعلم بحديثه من غيرهم.
ولذلك فإن الراجح في نظري هو الوصل، كما ذهب إليه البخاري والترمذي.
الطريق الثاني:
وأما طريق يونس بن أبي إسحاق فقال الإمام أحمد رحمه اللّه: حدثنا عبد الواحد الحداد قال: حدثنا يونس، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي ? قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ().
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه (ح) () ويزيد بن هارون قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه ?: ((لا نكاح إلا بولي)) ().
قلت: وهذا إسناد صحيح، لأن يونس تابع أباه على روايته، عن أبي بردة، عن أبيه كما ترى، ولأن أبا عبيدة ـ وهو عبد الواحد بن واصل الحداد ـ قد رواه عن يونس، وتابعه عليه أسباط بن محمد وهما ثقتان.
ثم وجدت لهما متابعاً ثالثاً قال ابن الجارود رحمه اللّه: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا قبيصة ـ وهو ابن عقبة ـ قال: حدثنالا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ? قال: قال رسول اله ?: ((لا نكاح إلا بولي)) ().
وكذلك أخرجه الحاكم منطريق محمد بن سهل بن عسكر به وزاد قال ابن عسكر: فقال لي قبيصة بن عقبة: جاءني علي بن المديني فسألني عن هذا الحديث فحدثته به فقال علي بن المديني: قد استرحنا من خلاف أبي إسحاق ().
قال الحاكم: لست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس بن أبي إسحاق وأن سماعه من أ [ي بردة مع أبيه صحيح، ثم لم يختلف على يونس في وصل هذا الحديث، ففيه الدليل الواضح أن الخلاف الذي وقع على أبيه فيه من جهة أصحابه لا من جهة أبي إسحاق واللّه أعلم.
قلت: لكن قد ذكر الترمذي أنه قد روي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ? () يعني مرسلاً.
ولكن لم أقف على من رواه عنه هكذا، ولا على من ذكر ذلك غير الترمذي.
وقد رواه أبو عبيدة وأسباط بن محمد وقبيصة بن عقبة عن يونس عن أبي بردة عن أبيه متصلاً، ورواه عيسى بن يونس وزيد بن حباب وحجاج بن محمد عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه متصلاً، وقد ذكرنا روايتهم مفصلة إلا رواية حجاج فلم أقف عليها وإنما أشار إليها البيهقي كما تقدم، وقد اختلف فيه على الحسن بن قتيبة كما سأذكره قريباً.
وقد ذكر الترمذي أمراً آخر وهو قوله: ورواه أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ?.
قلت: أما رواية زيد بن حباب فهي كذلك، وقد أخرجها الترمذي نفسه كما سبق، وأما رواية أسباط بن محمد فليس فيها ذكر أبي إسحاق فقد رواها أحمد عنه عن يونس عن أبي بردة عن أبيه وقد تقدمت، وكذلك أخرجها الحاكم وعنه البيهقي من طريق الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط وسأذكر هذه الرواية بسندها.
قال الحاكم رحمه اللّه: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا الحسن بن قتيبة قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق.
¥