-ثم قال في آخر كلامه على الحديث: ((تنبيه: ليس المراد من تصحيح الحديث القول بمضمونه , و أن اللمس لا ينقض , بل المراد إظهار الحقيقة و إبطال الباطل من زعم ضعف الحديث , و هو صحيح , ولكنه مع ذلك منسوخ بالآية الكريمة)) ().

- ((قلت)): و هذا هو المخرج الذي عناه أبو الفيض في عبارته الآنفة الذكر و ادعى قصور أئمة العلم و الهدى عن إدراكه؛ و لست أدري ما الذي حمله على ذلك بعد أن بدل غاية الجهد في تصحيح الحديث و الدفاع عنه؟ هل كان حنفيا ثم انقلب شافعيا؟ أو كان عالما في أول أمره ثم انقلب علمه عليه وبالا؟ أو اعتل عقله بعد أن كان صحيحا؟ و لله در من قال:

((" إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب و الصبح مسفر ")).

- (15) و ممن ضعف الحديث و ادعى الاتفاق على تضعيفه أبو زكريا النووي فقد قال: ((و أما الجواب على احتجاجهم بحديث حبيب بن أبي ثابت؛ فمن وجهين , أحسنها و أشهرها: أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ , ممن ضعفه سفيان الثوري و يحيى بن سعيد القطان , و أحمد بن حنبل وأبو داود و أبو بكر النيسابوري و أبو الحسن الدارقطني و أبو بكر البيهقي و آخرون من المتقدمين و المتأخرين؛ قال أحمد بن حنبل و أبو بكر النيسابوري و غيرهما: غلط حبيب من قبلة الصائم إلى القبلة في الوضوء؛ و قال أبو داود روي عن سفيان الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني؛ يعني لا عن عروة بن الزبير؛ و عروة المزني مجهول؛ و إنما صح من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل و هو صائم.

-و الجواب الثاني: لو صح ,لحمل على القبلة فوق حائل؛ جمعا بين الأدلة)) ()

- ((قلت)): وليته اكتفى بالجواب الأول دون الثاني؛ فأن فيه تكلف لا يخفى , و الذي دعاه إليه: التعصب المذهبي؛ و سأجيب –بعون الله تعالى – عن الأول , ه هو دعوى الاتفاق على تضعيف الحديث , فأقول: هذا الكلام الذي قاله الإمام النووي ليس على إطلاقه , عند التحقيق الصحيح و النظر الثاقب في أقوال الأئمة المتقدم ذكرها , بل هو كلام مطلق من غير تثبت و لا تأمل في تمييز قول بعضهم من بعض؛ بل لا شك أنه غير صحيح عن بعض ما نسب إليه: كالإمام أحمد و أبي بكر النيسابوري.

فهذه مراجع السنن و المسانيد و العلل و التواريخ بين أيدينا شاهدة ناقطة بآثار المحدثين ليس فيها قول يذكر عن أحمد بن حنبل و لا عن أبي بكر النيسابوري و لو كان فيها أدنى رواية عن واحد منهما لما خفيت على الدارقطني و لا على البيهقي من بعده و هما المتعصبان حقا لمذهب الشافعي و الناصران له , لا سيما و أبو بكر النيسابوري من شيوخ الدارقطني؛ فكيف علم الإمام النووي قولهما دون غيره؟؟

و أما قول يحيى القطان عن سفيان: بأن حبيبا لم يسمع من عروة؛ فقد صح هذا القول عن يحيى , و أخذ بقولهما البخاري ثم الترمذي , فأعلوه بالانقطاع من هذا الوجه و مع ذلك فقد جنح أبو داود إلى عدم الانقطاع , كما يتضح من عبارته الآنفة الذكر فأثبت صحة رواية حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة؛ و مع ذلك كله؛ فقد روى يحيى القطان هذا الحديث عن سفيان من وجه آخر عن عائشة و سكت عليه فدل ذلك أنه إنما أعل رواية حبيب وحدها؛ و نحن نعلم أن حبيبا لم يتفرد به عن عروة؛ فقد تابعه وكيع عم هشام بن عروة عن أبيه؛ فدلت هذه المتابعة على أنه عروة بن الزبير من غير شك؛ و الله أعلم.

- ((استدراك)): قال ابن قدامة في المغني: قال أحمد: ((المدنيون و الكوفيون ما زالوا يرون أن القبلة من اللمس , تنقض الوضوء حتى كان بأخرة و صار فيهم أبو حنيفة, فقالوا لا تنقض الوضوء؛ و يأخذون بحديث عروة؛ و نرى أنه غلط)) ().

- ((قلت)) و في ثبوت هذا عن الإمام أحمد نظر , لأن بن قدامة نقله عنه هكذا بغير إسناد , و من غير عزو إلى مصدر معين على الأقل؛ و قد فتشت عنه في عدة مصادر من أهمها: كتاب العلل و معرفة الرجال؛ من رواية ابنه عبد الله عنه () و كتاب العلل و معرفة الرجال؛ من رواية المروذي و الميموني و صالح بن أحمد جميعا عنه () و مسائل أبي داود؛ ومسائل ابن هانيء و مسائل عبد الله بن أحمد فلم أظفر على شيء يذكر عن الإمام أحمد من تعليل الحديث المذكور؛ و مع ذلك فقد أخرجه في ثلاث مواضع من مسنده و لم يتعقبه بشيء يذكر؛ و على تقدير ثبوت هذا القول فالجواب عنه من وجهين:

- ((أولا)): إن يحيى القطان حدث عن سفيان الثوري فقال:أما سفيان كان أعلم الناس بهذا , زعم أن حبيبا لم يسمع من عروة؛ و معلوم أن القطان هو شيخ الإمام أحمد و هو من أعلم شيوخه , فلا مانع أن يتلقى ذلك عنه كما تلقاه غيره؛ و قد علمت مما سبق أن يحيى بن سعيد القطان ضعف الحديث من رواية حبيب عن عروة عن عائشة , وارتضاه من وجه آخر من رواية الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عنها.

- ((ثانيا)): أن هشام بن عروة قد تابع حبيبا على روايته إياه عن أبيه عن عائشة كما رواه عنه وكيع وأبو أويس المدني؛ و قد خفيت هذه المتابعة على كثير من حفاظ الحديث؛ و لا غرابة في ذلك؛ فهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة و قدوة الحفاظ في وقته يذكر عنه تلميذه عبد الله بن وهب فيقول: ((سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس , فقال و ما هي فقلت: حدثنا الليث بن سعد و ابن لهيعة و عمرو بن الحارث , عن يزيد بن عمرو المعافري ,عن أبي عبد الرحمن الحبلي , عن المستورد بن شداد القرشي , فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: إن هذا الحديث حسن , و ما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته بعد ذلك يسأل , فيأمر بتخليل الأصابع)) ().

- و خلاصة القول: أنه لا يثبت عن الإمام أحمد تعليله لحديث حبيب عن عروة عن عائشة؛ وإن ثبت ذلك عنه؛ فهو محمول عن المتابعة لقول يحيى القطان عن سفيان كما تابعه على ذلك البخاري و غيره؛ و قد سبق الجواب عنه غير مرة؛ و ثمت كلمة أخرى. و هي: أن الحديث صحيح من غير هذا الوجه الذي أعله أحمد و البخاري و غيرهما كما سوف تعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015