- (قلت) و هذا القول فيف نظر؛ فإن هؤلاء الأئمة المذكورين لو أجمعوا على تعليله؛ لما كان لأحد من بعدهم كلاما مقبولا يخالف قولهم؛ و قد قال نحو هذا الإمام النووي –عفا الله عنا و عنه – كما سيأتي في الفقرة (15) و الواقع أن الإمام البخاري أعل رواية حبيب ابن أبي ثابت وحدها بالانقطاع وكذا الترمذي و النسائي؛ و أما أبو داود فقد حكى عن الثوري و القطان ما يدل على الانقطاع , ثم عقب بما يدل على الاتصال و أعله الترمذي و النسائي جميعا من رواية إبراهيم التيمي عن عائشة بأنه لم يسمع منها؛ ولكن النسائي ارتضاه و خرجه في ((المجتبى)) و قال: ((ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث , و إن كان مرسلا)) و لم يخرجه من حديث حبيب؛و معلوم أن للحديث غير هذين الوجهين ما جاء من رواية عطاء عن عائشة , و من رواية زينب السهمية عنها؛ و لم يتكلم فيها البخاري و لا غيره من الأئمة المذكورين بعده إلا الدارقطني و البيهقي, فقد أعلاه من جميع الوجوه و الله أعلم.

-قال أبو الفيض: ((و الحديث صحيح مقطوع به , إن شاء الله , و إنما يحملهم على التتابع في الطعن و التعليل بدون دليل " عدم إدراكهم المخرج من معارضة النصوص التي هي أقوى و أصح في نظرهم , أو في الواقع كظاهر القرآن؛و لو أدركوا المخرج من ذلك لما احتاجوا إلى مخالفة الأصول , و مناقضة القواعد التي يثبت بمثلها الحديث فإنها قاضية بصحة هذا الحديث ,لمن التزم الإنصاف؛و ذلك أن الحديث رجاله ثقات متفق عليهم: رواه وكيع , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة , عن عائشة؛ و هؤلاء كلهم رجال الصحيحين , فالحديث على شرطهما؛ ثم إنه رواه عن وكيع: قتيبة و هناد و أبو كريب و أحمد بن منيع و محمود بن غيلان و أبو عمار كما عند الترمذي؛ و عثمان بن أبي شيبة؛ كما عند أبي داود , و أبو هشام الرفاعي و حاجب بن سليمان و يوسف بن موسى؛ كما عند الدارقطني؛ و إبراهيم بن عبد الله العبسي؛ كما عند البيهقي)).

((كلهم قالوا: عن وكيع , عن الأعمش , عن حبيب ,عن عروة؛ مطلقا , غير منسوب؛و تابعهم على ذلك: زائدة , كما ذكره أبو داود , وعبد الحميد الحماني و علي بن هشام و أبو بكر بن عياش؛ كما خرجه الدارقطني؛ أربعتهم عن الأعمش به مثله.

- ((قلت)): و تابعهم كذلك أبو معاوية , محمد بن خازم الضرير , فرواه عن الأعمش كما رواه الجماعة , و هو ثقة من أحفظ الناس لحديث الأعمش؛ كما في التقريب؛ خرج حديثه البيهقي في المعرفة ())).

-قال أبو الفيض: ((وغير جائز و لا معقول أن يكون شيخ حبيب بن أبي ثابت هو عروة المزني المجهول , ثم يتفق جمهور الأئمة الحفاظ الثقات الأعلام , و هو من سمينا من أصحاب وكيع , و من أصحاب الأعمش , على إطلاقه الموهم الموقع في الخطأ و تصحيح الضعيف؛ فإن عروة عند الإطلاق لا ينصرف إلا عروة بت الزبير الثقة المعروف المشهور , لا إلى عروة الذي لا يعرف؛ فلو كان هذا وحده الدليل على كونه عروة بن الزبير , لكان قاطعا أو كالقطع على ذلك؛ فكيف وقد صرح جماعة من كبار الحفاظ بأنه عروة بن الزبير , و هو: أحمد بن حنبل؛ كما في مسنده؛ و أبو بكر بن أبي شيبة و علي بن محمد , كما في سنن ابن ماجه؛ فإنهم رووه عن وكيع عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن عروة بن الزبير , عن عائشة؛ فلم يبق مع هذا شك , على أنه عروة بن الزبير , و أن الجماعة السابقة ما أطلقوه فلم يقيدوه إلا اعتمادا على كونه الذي تنصرف إليه الأذهان)).

- ((قلت)): و هذا كلام جيد , بل هو صحيح في غاية الصحة إلا قوله –عفا الله عنا و عنه – ((و إنما يحملهم على التتابع في الطعن و التعليل بدون دليل: عدم إدراكهم المخرج من معارضة النصوص التي هي أقوى و أصح في نظرهم , أو في الواقع كظاهر القرآن ... )) فهذا اتهام باطل لا شك في بطلانه , فإنهم أعلم منه و أجل و أكمل علما من أن ينسب إليهم نقصان العلم و يتهمون بالعجز عن التوفيق بين المتعارض من النصوص و لا سبيل إلى المعارضة أصلا بين حديث عائشة و غيره فيما نعلم , بل هو موافق لظاهر القرآن كما جزم به الإمام الطبري , و اعتبره الإمام الشافعي حجة إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم و كذا ابن المنذر و غيره.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015