فلا يرتاب عاقل بعد ذلك أن الصالحين ومن قيل عنه أنه من الصالحين؛ ليسوا في درجة واحدة، ومرتبة واحدة، وأمر واحد، فاحتاج الأمر أن نجعلهم أقساما، ليحسن الاقتداء، على المحجة البيضاء، لا كدر ولا عماء، على المريد سيرة الأنبياء والأصفياء الصلحاء.
1. رأس الصالحين:
رأس الصالحين والعباد والزاهدين هو محمد سيد المرسلين، فلا صلاح يعلو على صلاحه، ولا هدي يعلو على هديه، كيف وقد قال: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا" ().
قال ابن حزم: من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به، بمنّه آمين ().
قال ابن الصلاح: روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد: أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدان -وكانا عبدين صالحين- فقال له: بأي نية أكتب الحديث؟ فقال: ألستم تروون أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم، قال: فرسول الله -صلى الله عليه و سلم- رأس الصالحين ().
والأنبياء هم سادة الصالحين، وقدوة الدعاة المصلحين، فقد ذكر الله لنا شيء من سيرتهم في القرآن الكريم ثم قال ?أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ? ().
قال الزبيدي: الصَّلاَح: ضِدُّ الفَسَادِ، وقد يُوصف به آحادُ الأُمّةِ، ولا يُوصَف به الأَنبياءُ والرُّسلُ عليهم السّلامُ. قال شيخُنَا: وخالَفَ في ذلك السُّبْكيّ، وصَحَّحَ أَنهم يُوصَفون به، وهو الّذِي صَحَّحَه جَماعةٌ ونَقَلَه الشِّهَابُ في مَواضِعَ من شَرْحِ الشِّفَاءِ ().
كيف وهم من بذلوا جهدهم في إصلاح الناس، وإرشادهم، فليس أحد أحق أن يوصف بالصلاح منهم، ولم يبلغ أحد من الصلاح ما بلغوه، قال الله عنهم: ?وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ? ().
2. أتباع الأنبياء من السادة العلماء:
وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن تبعهم من الأئمة الأعلام.
فالصالحون بالصالحين يقتدون، وعلى نهجهم ينهجون، وبسيرتهم يستأنسون، قال الإمام أبو عبد الله الحاكم: لقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير خبر"الطائفة المنصورة"التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة "هم أصحاب الحديث" ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ().
فحيث كان العلم كان الصلاح، ولا سبيل إلي التفوق في الصلاح إلا بالتفوق في العلم، لأن أكثر الناس علما، أكثرهم خشية وتقوى ? إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ? ()،
ولا بأس أن نذكر نموذجا منهم، حيث كان العلم والدين والجهاد وكل أبواب الخير، لم يمنعه التصدر في باب أن يتصدر في الأبواب الأخرى. عبد الله بن المبارك:
قال الذهبي: عبد الله بن المبارك بن واضح الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، فخر المجاهدين، قدوة الزاهدين، التاجر السفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرحلات الشاسعة، أفنى عمره في الأسفار حاجا ومجاهدا وتاجر ().
وقال أبو أسامة: ما رأيت رجلا أطلب للعلم من ابن المبارك، وهو في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الناس.
قال الحسن بن عيسى بن ماسرجس مولى ابن المبارك: اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن الحسين، فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والادب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه ().
قال نعيم بن حماد: قال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: لكني أعرف رجلا لم يزل البارحة يكرر"ألهاكم التكاثر" إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها يعني نفسه.
قال العباس بن مصعب: عن إبراهيم بن إسحاق البناني، عن ابن المبارك، قال: حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف شيخ، ثم قال العباس: فتتبعتهم حتى وقع لي ثمان مئة شيخ له (). لله دره، ما ألذ خبره، وما أروع سيرته، يحبب النفوس في العلم، ويشوقها للزهد، ويرغبها في الجهاد، ويحدوها إلى محبة الله تعالى.
¥