فنعم الرجل الصالح، ونعم الصالحين أمثله.

قال الذهبي في ترجمة الحجري: الشيخ الإمام، العلامة المعمر، المقرئ المجود، المحدث الحافظ، الحجة، شيخ الإسلام، أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله بن سعيد بن محمد بن ذي النون، الرعيني، الحجري، الأندلسي، المريي، المالكي، الزاهد، نزيل سبتة، وهو رأس الصالحين، ورئيس الأثبات الصادقين، حالف عمره الورع، وسمع من العلم الكثير، وأسمع، وكان ابن حبيش شيخنا كثيرا ما يقول: لم تخرج المرية أفضل منه، مات في المحرم، سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، وكانت جنازته مشهودة بسبتة ().

3. ذكر الصالحين الضعفاء:

وهم ناس لهم عبادة وفضل، وتقوى وزهد، فقد جمعوا شروط العدالة التي يجب أن تكون في الراوي، لكن الحفظ لم يستقم عندهم، لذلك وقع الخطأ في حديثهم، فلا يحتج بهم إذا تفردوا، ولكن يُعتبر حديثهم، ويذكر في الشواهد والمتابعات، والاقتداء بسيرهم في الزهد والصلاح مقبول.

ونماذج هذا الصنف من الصالحين كثيرة، حتى ربما تحتاج إلي جزء لحصرها ().

منهم الربيع بن صبيح، قال ابن حبان: الربيع بن صبيح مولى بني سعد من أهل البصرة، مات بالسند سنة ستين ومائة، وكان من عباد أهل البصرة وزهادهم، وكان يشبه بيته بالليل ببيت النحل من كثرة التهجد، إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان يهم فيما يروي كثيرا، حتى وقع في حديثه المناكير من حيث لا يشعر, فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما يوافق الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسا ().

ومنهم أبو بكر بن عبد الله بن أبي العطاف النهشلي.

قال ابن حبان في ترجمته: كان شيخا صالحا فاضلا، غلب عليه التقشف حتى صار يهم ولا يعلم، ويخطيء ولا يفهم، فبطل الاحتجاج به، وإن كان ظاهره الصلاح، لأن قبول الأخبار توافق الشهادات في معان وتخالفها في معان، فكما لا يجوز قبول شهادة الشاهد إذا كان فاضلا دينا وهو لا يعقل كيفية الشهادة، ولا يدري كيف يؤديها، كذلك لا يجوز قبول الأخبار من الدَّيِّن الفاضل إذا كان لا يعلم ما يؤدي، ولا يعقل ما يحيل المعنى إذا حدث من حفظه، فأما إذا حدث من كتابته وضبط في الكتابة، فحينئذ يجوز قبول روايته إذا كان عدلا عاقلا.

وأبو بكر النهشلي وإن كان فاضلا فهو ممن كثر خطؤه، فبطل الاحتجاج به إذا انفرد وإن اعتبر معتبر بما وافق الثقات لم يجرح في فعله ذلك.

سمعت محمد بن محمود يقول: سمعت عثمان بن سعيد يقول: سمعت أحمد بن يونس يقول: كان أبو بكر النهشلي شيخا صالحا، وكان في مرضه حين مات يثب للصلاة وهو لا يقدر، فيقال: إنك في عذر، فيقول: أبادر طي الصحيفة ().

ومنهم خصيف بن عبد الرحمن الجزري، قال ابن حبان: تركه جماعة من أئمتنا واحتج به جماعة آخرون، وكان خصيف شيخنا صالحا فقيها عابدا، إلا أنه كان يخطىء كثيرا فيما يروي، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف في أمره؛ قبول ما وافق الثقات من الروايات، وترك ما لم يتابع عليه، وإن كان له مدخل في الثقات وهو ممن أستخير الله فيه ()

4. ذكر الصالحين المتروكين:

وهم قوم حملهم صلاحهم المزعوم على عدم الاحتياط في الرواية، فيأخذون عن كل من هب ودب، وينسبون إلي النبي صلى الله عليه وسلم الكلام الحسن، ظنا منهم أنه قاله، فكان تعقب النقاد لهم شديدا، فقتضى المقام ترك الرواية عنهم، والأمر يقتضي ترك الاقتداء بهم.

وكأن مسلما عناهم بقوله: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ.

منهم بكر بن الأسود أبو عبيدة الناجي، قال ابن حبان: كان يحيى بن كثير العنبري يروي عنه ويقول: هو كذاب. وضعفه يحيى بن معين. وكان أبو عبيدة رجلا صالحا وهو من الجنس الذي ذكرت ممن غلب عليه التقشف، حتى غفل عن تعاهد الحديث فصار الغالب على حديثه المعضلات ().

ومنهم سليمان بن عمرو أبو داود النخعي قال ابن حبان: كان رجلا صالحا في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعا، وكان قدريا، لا تحل كتابة حديثه إلى على جهة الاختبار، ولا ذكره إلا من طريق الاعتبار. قال عبد الجبار بن محمد وسئل عن أبي داود النخعي وما يذكر من فضله، قال: كان أطول الناس قياما بليل، وأكثرهم صياما بنهار، وكان يضع الحديث وضعا ().

وهذا الصنف من المصالحين، ليسوا في محل الاقتداء والاتساء، لأن فعلهم شين غير محمود، وصنيعهم مع الصلاح مرود، وهل يليق بعاقل أن يكون صالحا ولا يفعل أهم مقتضيات الصلاح إلا وهو الحمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.

فمن كان مريدا طريق الصلاح بلا طلاح، فعليه بسيرة رأس الصالحين وسداتهم، ومن اقتفي أثرهم من السادة العلماء المتقين.

?وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا? ().

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" ().

ويكون الصلاح أساس البقاء، فلولاه لزالت الأرض والسماء، وتكون دعوة الأنبياء: ?رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ? ()، الصالحين ?فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ? ()،

?رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ? ()

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015