قال شعبة (): "نصصت على قتادة سبعين حديثاً كلها يقول: سمعت من أنس، إلا أربعة" اهـ.

بل كانتوا يحصون ما أخذه الراوي عن شيخه سماعاً، وما أخذه عنه من كتاب بغير سماع.

قال أبي المديني (): سمعت يحيى بن سعيد قال: كان شعبة يقول: أحاديث الحكم عن مقسم كتاب إلا خمسة أحاديث. قلت ليحيى: عدها شعبة؟ قال: نعم: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل ما النعم، والرجل يأتي امرأته وهي حائض" اهـ.

ولذا فلا تعجب إذا حكم الأئمة الجهابذة على رواية فيها تصريح بالسماع أو ما يدل عليه بالخطأ والوهم، ولو كان الإسناد ظاهره الصحة، لأن الأئمة ليسوا كما يظن البعض "حملة أسفار" بل هم "نقدة أخبار".

والنقاد يضبط حال السماع والكتابة صيغ الأداء، بل ويوقف عليها الشيوخ، فيكشف بعد ذلك عن أوهام الرواة وأخطائهم.

قال أبو داود () – وهو الطياليسي -: نا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم أن عليا كان يجعل للإخوة من الأم – يعني في المشتركة. قلت للأعمش: سمعته من إبراهيم؟ فقال برأسه أي: نعم " اهـ.

فانظر إلى توقيف شعبة للأعمش في سماعه هذا من إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي، مع أن إبراهيم من شيوخ الأعمش الذين أكثر عنهم، حتى قال بعض الحفاظ المتأخرين – وهو الذهبي رحمه الله – أنه لا يقبل من الأعمش – لتدليسه – إلا ما صرح فيه بالسماع، إلا في شيوخ قد أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل – شقيق بن سلمة، وأبي صالح السمان، قال (): "فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال".

فبان بإيقاف شعبة للأعمش أن ا لأمر ليس بهذا الإطلاق، وإنما هو للغالب، والله تعالى أعلم ().

وهذا حجاج بن أرطاة أحد المكثرين من التدليس، قال غير واحد من النقاد أنه لم يسمع من الزهري شيئاً. قال الترمذي (): فقلت له يعني للبخاري -: فإنهم يرون عن الحجاج قال: سألت الزهري.

قال: لا شيء، يروي عن هشيم قال: قال لي الحجاج: صف لي الزهري " اهـ.

وقال أبو زعرة (): لم يسمع الحسن البصري من أبي هريرة ولم يره، قيل له: فمن قال: ثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ " اهـ.

وقال ابن أبي حاتم (): سألت أبي: سمع الحسن من جابر؟ قال: ما رأي، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن: ثنا جابر بن عبد الله، وأنا أنكر هذا، إنما الحسن عن جابر كتاب، مع أنه أدرك جابرا" اهـ.

وقال ابن المديني (): سمعت يحيى – يعني القطان – وقيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا " اهـ.

بل ترك يحيى بن سعيد القطان أسامة بن زيد الليثي، لما روى عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب، مع اتفاق أصحاب الزهري على روايته عن سعيد بالعنعنة ().

وأمثلة هذا الضرب من النقد أكثر من أن تحصى.

وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتاباً مستقلاً، وقد أجمعت العزم على إفراده بالذكر إن شاء الله تعالى، في رسالة مستقلة.

والمقصود ههنا التذكير بعظم قدر أئمة النقد، والتقريب لما كانوا يتمتعون به من ملكات فذة، وغرائز حديثية متميزة، وحافظ ثاقبة، وأفهام دقيقة، ويقظة عالية، وهمة سامقة، وصبر على شظف العيش لا يوصف، وتحمل لمشقات الرحلة لا يباري.

هذا مع اعتقاد أن الكمال لله وحده، وأن لا عصمة إلا لمن عصمه الله تعالى، ولكن الحق لايغيب عن جماعة أهل النقد، فمن الناس بعدهم؟

ولعل فيما ذكرته ههنا مقنع لمن درجوا على الاستقلال بنقد الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً، اغتراراً بظواهر الأسانيد، دون الاستبصار بنقد أصحاب "الملكة" ومهم أهل "التخصص"، ومن حباهم الله عز وجل – مما سبق الإشارة إليه – ما أهلهم للقيام على هذا الصغر العظيم من ثغور الإسلام، ألا وهو حفظ الآثار أن يداخلها ما ليس منها، وتنقيتها مما التصق بها خطئاً أو عمداً.

وكم ممن غلبته سكرة "التعالم" ونشوته، فرد تحقيقات النقاد من طرف القلم، بأمور بديهية لم تكن خافية على المبتدئين، وإنما أخذها هؤلاء "التعالمون" من أوليات أولئك الجهابذة، فانتهى هؤلاء إلى حيث يبدأ الناقد السبق، فكيف بالقاعد أن يزاحم الفرسان، أم كيف بالخالف أن يبلغ العنان.

وكأن لسان حال الناقد يقول للمتعلم:

أأبيت سهران الدجى وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015