وأرجو إذا يسر الله تعالى إتمام هذا الكتاب – بأقسامه – كما أحب، أن يتضح لقارئه سبيل القوم في نقد الرواة والأخبار، وعسى أن يكون ذلك داعياً لي ولأولي الهمم إلى الاستعداد لسلوكه، فيكون منهم أئمة مجتهدون في ذلك إن شاء الله تعالى ().
هذا، والله تعالى الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[18 - Oct-2007, مساء 09:50]ـ
مقال الشيخ علي الصياح
قال في كتابه من قصص أئمة الحديث المتقدمين
.... ولكن مما يسر أنّ هناك عودة قوية لدراسة مناهج النقاد من خلال أقوالهم وتطبيقاتهم، وفهم مصطلحاتهم من خلال السبر والتتبع الطويل مع التحليل والنظر، وفي ظني أنّ هذه الدراسات ستقلص من الاعتراضات على النقاد، وتقلل من الاختلاف بين أحكام المعاصرين على الأحاديث وأحكام المتقدمين، وكذلك المعاصرين بعضهم مع بعض.
وهذه العودة لدراسة مناهج النقاد .. الخ= هي روح ولُبّ مسألة "منهج المتقدمين في الحديث" والتي -في رأيي- حُمّلتْ ما لا تحتمل، وصُورت على غير حقيقتها التي يدعو إليها الفضلاء، فليس هناك تقليلٌ من قدر المحدثين المتأخرين، وليس هناك تفريقٌ للأمّة، وليس هناك بدعة، بل إنَّ الكلام في هذه المسألة هو بحثٌ في مسائل علمية حديثية دقيقة تتعلق بمصطلحات وقواعد ومناهج سار عليها أئمة الحديث المتقدمين وروّاد هذا الفن ومن يرجع إليه في هذا العلم، وغالب الخلاف الواقع بين الفضلاء في هذه المسألة من نوع الخلاف اللفظيّ، وطلبةُ العلم فيها بين أجر وأجرين -إنْ شاء الله تعالى-، والمسألة من مطارح الاجتهاد، ومسارح النظر.
ومما ينبغي التفطن له أنّ هذه الدعوة ليست من التقليد في شيء، بل هي دعوةٌ لأخذ العلم من مصدره، إذ من المعلوم أنّ قوانين وقواعد معرفة حال الراوي والمروي إنّما أُخذت عن هؤلاء الأئمة فهم الحكم في هذه المسائل، وإليهم الرجوع عند التنازع كما تقدم في كلام العلائي وغيره.
ورَحِمَ اللهُ علماءَ المسلمين-المتقدمين منهم والمتأخرين- فقد ورثوا للأمة علماً زاخراً يخدم كتاب الله وسنة رسوله ? ، وإنَّ من حقهم على الأمّة الدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستفادة من علومهم، وهذا هو منهج مَنْ تَبِعَهُم بإحسان قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر: 10).
وقال أيضا:
و أسبابُ هذا التفاوت (يعني في الحكم على الأحاديث بين المعاصرين وأئمة النقد المتقدمين) - في الغالب - ترجع إلى أمور ثلاثة-مرتبة حسب الأهمية-:
1 - القصور في "علم علل الحديث" وعدم التفطن لدقائقه، ولذا تجد بعض الباحثين - وفقهم الله - ينقل شواهد للحديث ومتابعات من كتب العلل مما استنكره الأئمة على الرواة، ولم يقف وقفةَ نَظَرٍ لماذا ذُكِرَ هذا الحديث أو الطريق في كتب العلل؟، ولربما كان هذا الحديث المذكور في كتب العلل يُعل حديثه كأن يكون موقوفاً وحديثه مرفوعاً ونحو ذلك.
وعلاجه في أمرين:
أ - كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية، فإنْ غلبت عن قراءتها فلا تغلب على كتابين: الأوَّل: التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، والثاني: كتاب"شرح علل الترمذي"لابن رجب، وأرى أنَّ الكتابين –من أولهما إلى آخرهما- من أحسن ما يقرر على طلاب الحديث لفهم العلل ومعرفة طريقة النقاد فيها.
ب - تتبع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، والاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث- لأنَّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة فيقولون مثلاً " الصواب رواية فلان"، أو "وَهِمَ فلان" أو "حديث فلان يشبه حديث فلان" أو "دَخَلَ حديثٌ في حديث" ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول لأنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل والإشارة فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها- ومِنْ ثمّ دراسة أسباب هذا الحكم من الناقد، ومدى موافقة بقية النقاد له، ومع كثرة الممارسة لكلام النقاد تكون عند الباحث ملكة تؤدي -بتوفيق من الله وإعانة- إلى موافقتهم قبل أنْ يطلعَ على كلامهم المعين في الحديث المراد بحثه.
2 - عدم تحقيق الكلام على الرجال الذين تدور عليهم علة الحديث والاكتفاء بالمختصرات كتقريب التهذيب خصوصاً، وتقدم التنبيه على هذا وكيفية علاجه، وأضيف هنا أهمية أن يقرأ طالب الحديث كتاب "الميزان" للذهبيّ كاملاً من أوله إلى آخره، متلمساً المناهج، مقيداً الفوائد.
3 - التوسع في قبول الشواهد والمتابعات، وهذا الأمر ناتجٌ عن الخطأ في الأمرين السابقين فعدم التفطن لعلل الأخبار وعدم تحقيق مرتبة الراوي بدقة يترتب عليه قبول " الشواهد والمتابعات"، أو عدم قبولها، وفرقٌ بين أن نحكم على راوٍ ما بأنه ضعيف لسوء الحفظ، وبين الحكم عليه بالترك فالأول يقبل " الشواهد والمتابعات" -إنْ سلم من العلل الأخرى كالتفرد، والشذوذ- والثاني لا يقبل، وقد وُفق الشيخ طارق عوض الله فكتب في هذا الأمر كتابة رائعة في كتابه " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات" عالج فيها جانباً من القصور في هذا المسألة.
ولقد كان المعلميّ دقيقاً عندما قال: ((وتحسين المتأخرين فيه نظر)) الأنوار الكاشفة (ص30).
وكذلك في قوله: ((عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين: أجدني أرى كثيراً منهم متساهلين)) الفوائد المجموعة (ص2).
وقال في ختام كتابه جهود المحدثين
التوصيات:
هذه بعض التوصيات التي لمستُ أهميتها أثناء كتابة البحث فمن ذلك:
1 - ضرورةُ العنايةِ بعلم علل الحديث بالنسبة للمشتغلين بالحديث وعلومه، ووضعُ مقرر خاص لطلبة الدراسات العليا في هذا الفن والبحث فيه نظرياً وعملياً، فكثير من الخلل الواقع في كلام المعاصرين على الأحاديث نتيجة للقصور في علم العلل وعدم التفطن لدقائقه، وهذا من أكبر أسباب التنافر والاختلاف في الحكم على الأحاديث بين المعاصرين وكبار النقاد المتقدمين.
¥