وقد اتفق أصحاب "الملكة" من النقاد على إعلال هذا الحديث، وأنه خطأ ولا أصل له، مع اختلافهم في تحديد المخطئ فيه، وهذا لا يؤثر في الاتفاق المذكور ().
ولم يجر على ظاهر إسناد هذا الحديث فصححه إلا نفر من المتأخرين والمعاصرين، وهذا مظهر من مظاهر تلك الهوة التي لا تبرح في زيادة بين النقاد ومن بعدهم، والتي أشرنا إليها آنفاً.
ولم يسع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد عرض مذاهب النقاد في إعلال هذا الحديث إلا أن يسجل شهادته الخالدة، فيقول (): "وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى على ظاهر الإسناد" اهـ.
5 - ومنها: معرفة من ضعف حديثه من الثقات في بعض الأوقات دون بعض، وهم من اختلطوا أو تغيروا أو ذهب بصرهم، أو كتابهم، في آخر عمرهم ().
6 - ومنها: معرفة من ضعف حديثه في بعض الأمكنة دون بعض ().
7 - ومنها: معرفة من ضعف حديثه عن بعض الشيوخ دون بعض ().
8 - ومنها: المعرفة الناشئة عن كثرة الممارسة لأحاديث الرواة، بحيث يصير للناقد فهم خاص يدرك به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعلل الأحاديث بذلك، وهذا إنما يكون لأهل الحذق من صيارفه النقاد ().
ملكة "الحفظ":
ولم يكن الأمر متوقفاً عند مجرد "الحصر"، وإنما كانوا يحفظون ما حصروه عن ظهر قلب، يمثل أمام أعينهم متى احتاجوا إليه.
قال أبو زرعة (): "سمعت من بعض المشايخ أحاديث، فسألني رجل من أصحاب الحديث فأعطيته كتابي، فرد علي الكتاب بعد ستة أشهر، فأنظر إلى الكتاب، فإذا إنه قد غير في سبعة مواضع. فأخذت الكتاب وصرت إلى عنده، فقلت: ألا تتقي الله، تفعل مثل هذا؟ فأوقفته على موضع موضع، وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت فإنه هذا الذي جعلت عن ابن أبي فديك، فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا، فإنه لا يجيء عن فلان، وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله، ثم قلت له: فإني حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى على مثل هذا، فاتق الله عز وجل يا رجل" اهـ.
فانظر إلى هذا الحفظ العجيب، يحفظ ما انتخبه على الشيخ ساعة انتخابه له، ثم يفارقه الكتاب قبل أن يعاود النظر فيه، إلى ستة أشهر، ثم هو لا يخرم منه حرفاً!
وتدبر قوله: "ليس هذا من حديث ابن أبي فديك ... فإنه لا يجيء عن فلان " وتذكر ما أشرنا إليه من حقيقة "الإحصاء".
وأدق من ذلك " أن رجلاً دفع إلى أبي زرعة حديثاً فقال اقرأ، فلما نظر أبو زرعة في الحديث قال: من أين لك هذا؟ قال: وجدته على ظهر كتاب ليوسف الوراق. قال أبو زرعة: هذا الحديث من حديثي، غير أني لم أحدث به. قيل له: وأنت تحفظ ما حدثت به مما لم تحدث به؟ قال بلى، ما في بيتي حديث إلا وأنا أفهم موضعه" ().
فكم من حديث سمعه الناقد أو كتبه، ثم أعرض عنه ولم يحدث به، لما علم من شذوذه، أو خطأ روايه، ولذا فإن عدم تداول أهل النقد لحديث بالرواية ليسير إلى حالة واستحقاقه للترك والهجر.
وأكثر بيان في "الحفظ" ما ذكره ابن أبي حاتم () قال: حضر عند أبي زرعة: محمد بن مسلم (بن وارة) والفضل بن العباس المعروف بالصائغ، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثاً فأنكر فضل الصائغ ... فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: أيش تقول: أينا المخطئ؟ فسكت أبو زرعة ... وجعل يتغافل – فألح عليه محمد بن مسلم – فقال أبو زرعة: هاتوا أبا القاسم ابن أخي فدعى به، فقال: أذهب وأدخل بيت الكتب، فدع القمطر الأول، والقمطر الثاني، والقمطر الثالث، وعد ستة عشر جزءاً، وأئتني بالجزء السابع عشر، فذهب فجاء بالدفتر فدفعه إليه، فأخذ أبو زرعة فتصفح الأوراق وأخرج الحديث، ودفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه محمد بن مسلم، فقال: نعم غلطنا فكان ماذا؟ " اهـ.
واستقصاء هذا وشرح عجائبه يطول جداً، وإنما هذا غيض من فيض.
ولم يقف الأمر عند مجرد "الإحصاء" و "الحفظ للأحاديث"، بل كانوا يحصون على الرواة – لا سيما المدلسين – صيغ الأداء في الرواية.
¥