وقال أبو زرعة أيضاً (): "خرجت من الري المرة الثانية سنة سبع وعشرين ومائتين، ورجعت إلىمصر، فأقمت بمصر خمسة عشر شهراً، وكنت عزمت في بدو قدومي مصر أني أقل المقام بها، لما رأيت كثرة العلم بها وكثرة الاستفادة، عزمت على المقام، ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي، فلما عزمت على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر بكتب الشافعي، فقبلتها منه بثمانين درهماً أن يكتبها كلها، وأعطيته الكاغد، وكنت حملت معي ثوبين .. لأقطعهما لنفسي، فلما عزمت على كتابتها، أمرت بيعهما، فبيعا بستين درهما، واشتريت مائة ورقة كاغد بعشرة دراهم، كتبت فيها كتب الشافعي .. ".

فانظر إلى نفقته في "إحصاء" كتب الشافعي.

وقال أبن أبي حاتم (): "سمعنا من محمد بن عزيز الأيلي الجزء السادس من مشايخ عقيل، فنظر أبي في كتابه، فأخذ القلم فعلم على أربعة وعشرين حديثاً؛ خمسة عشر حديثاً منها متصلة بعضها ببعض، وتسعة أحاديث في آخر الجزء متصلة، فسمعته يقول: ليست هذه الأحاديث من حديث عقيل عن هؤلاء المشيخة، إنما ذلك من حديث محمد بن إسحاق عن هؤلاء المسيخة.

ونظر إلى أحاديث عن عقيل عن الزهري، وعقيل عن يحيى بن أبي كثير، وعقيل عن عمرو بن شعيب ومكحول، وعقيل عن أسامة بن زيد الليثي فقال: هذه الأحاديث كلها من حديث الأوزعي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي عن نافع، والأوزاعي عن أسامة بن زيد، والأوزاعي عن مكحول، وإن عقيلاً لم يسمع من هؤلاء المشيخة هذه الأحاديث"اهـ.

فتدبر قول أبي حاتم: "ليست هذه الأحاديث من حديث عقيل عن هؤلاء المشيخة" من أين كان يتأتى له أن يجزم بذلك إن لم تكن أحاديث عقيل مجموعة عنده، مصنفة على أسماء شيوخه، فلم يجد فيها ما رآه في كتاب ابن أبي حاتم المشار إليه، وكانت تلك الأحاديث فيما أحصاه أبو حاتم من حديث محمد ابن إسحاق عن هؤلاء الشيوخ، فعلم أن خطئاً طرأ على ذاك الكتاب لعله من التحويل أو غير ذلك من أسباب الخلل، فأبدل اسم ابن إسحاق بعقيل، وكذلك أبدل اسم الأوزاعي به في سائر الأحاديث؛ لأن أمثال هؤلاء: عقيل، وابن إسحاق، والأوزاعي ممن "يحصر" النقاد أحاديثهم فلا يغيب عنهم منا شيء.

وقيل لأبي حاتم (): إن عبد الجبار بن العلاء روى عن مروان الفزاري عن ابن أبي ئنب، فقال: قد نظرت في حديث مروان بالشام الكثير، فما رأيتُ عن ابن أبي ذئب أصلاً".

وكذلك استنكر أبو زرعة هذه الرواية، فاتفقا من غير تواطؤ بينهما؛ لمعرفتهما بهذا الشأن، كما قال ابن أبي حاتم.

فمن أين لهما الجزم بذلك إن لم تكن أحاديث مروان نصب أعينهما، يعدانها عدا، ويحصيانها إحصاء؟

فقس على هذا "حصر" النقاد أحاديث من تدور عليهم الأسانيد في البلدان.

2 - ومنها: معرفة طبقات الرواة عن أولئك الحفاظ، ودرجاتهم في الثقة، والضبط، والتثبت، والصحبة، والملازمة، والإكثار وغير ذلك، وهذا النوع من المعرفة يتوقف عليه تقديم الناقد رواية بعض الرواة على بعض ().

3 - ومنها: حصر أحاديث الضعفاء ونسخهم وصحفهم، حتى لا تختلط بأحاديث الثقات، فإذا أبدل اسم الضعيف بثقة، لم يرج ذلك عليهم.

قال الأثرم (): رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاوية، وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان () عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه. فقال له أحمد بن حنبل: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: إنك تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل: "أبان" "ثابتاً" ()، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان، لا عن ثابت" اهـ.

وانظر كتاب "الجامع" للخطيب (2/ 192)، فقد بوب على هذا المعنى وذكر لهذه الحكاية نظائر عن بعض الأئمة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015