قال أبي حاتم (): سمعت أبي رحمه الله يقول: "كنا إذا اجتمعنا عند محدث أنا وأبو زرعة، كنت أتولى الانتخاب، وكنت إذا كتبت حديث عن ثقة لم أعده، وكنت أكتب ما ليس عندي. وكان أبو زرعة إذا انتخب يكثر الكتابةى، كان إذا رأى حديثاً جيداً قد كتبه عن غيره أعاده"اهـ.
وكان الناقد ربما سمع من الشيخ الواحد عدة مرات، بينها فترات؛ التماساً لسماع ما لم يسمعه منه من قبل، وكان ينتخب أيضاً ما فاته سماعه فقط، فيكتبه، أما المعاد، فإنه يعرضه على ما كتبه عنه أولاً؛ لاختبار حال الشيخ في الضبط.
قال ابن أبي حاتم (): سمعت أبي يقول: "كنت أتولى الانتخاب على أبي الوليد ()، وكنت لا انتخب ما سمعت من أبي الوليد قديماً ... فلما تيسر لي الخروج من البصرة، قلت لأبي زرعة: تخرج؟ فقال: لا، إنك تركت أحاديث من حديث أبي الوليد مما كتبت عنه سمعت منه قديماً، فكرهت أن أسأل في شيء يكون عليك معاداً، فأنا أقيم بعدك حتى أسمع" اهـ.
وقال أبو الوليد الطيالسي (): قال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاد صاحبه مراراً، ونحن كنا إذا سمعناه مرة اجتزينا به"اهـ.
وقال أبو داود الطيالسي (): سمعت شعبة يقول: سمعتُ من طلحة بن مصرف حديثاً واحداً، وكنت كما مررت به سألته عنه، فقيل له: لم يا أبا بسطام؟ قال: أردت أن أنظر إلى
حفظه، فإن غير فيه شيئاً تركته". اهـ.
أمثلة لما "يحصيه" الناقد:
فالناقد يدأب في التراحل، والسماع، والكتابة، والتصنيف، والانتخاب، على نحو ما سبق، ويولي عنايته أثناء ذلك لأمور: منها:
1 - حصر أحاديث من تدور عليهم الأسانيد في البلدان. وذلك بأن يجمع الناقد أحاديث على واحد منهم، مبوباً ذلك على شيوخه وتلاميذه.
قال علي بن المديني (): "نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: الزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأبي إسحاق – يعني الهمداني – وسليمان الأعمش.
ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف، فممن صنف من أهل الحجاز: مالك بن أنس، وابن جريح، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة.
ومن أهل البصرة: شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأبو عوانة.
ومن أهل الكوفة: سفيان الثوري.
ومن أهل الشام: الأوزاعي.
ومن أهل واسط: هشيم.
ثم صار علم هؤلاء الأثنى عشر إلى ستة: إلى يحيى بن سعيد – يعني القطان – وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجرح، ويحيى بن أبي زائدة، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن المبارك" اهـ.
فكان الناقد يحفظ أحاديث كل من هؤلاء، من طريق تلامذتهم الملازمين لهم، المعروفين بهم، وكان لبعض هؤلاء نسخ وصحائف بأحاديثهم التي حدثوا بها، بحيث يستطيع الناقد عن طريق هذا "الإحصاء" الدقيق لحديث كل منهم أن يقول فيما يعرض عليه: هذا ليس من حديث فلان – أو هو غريب من حديث فلان – أو لا يجيء من حديث فلان.
أو هو من حديث فلان لكن بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد لكن بمتن آخر، وهكذا.
ويحكم الناقد بهذا على راوي ذاك الحديث بالوهم في روايته، وقد يكون هذا الراوي ثقة، ولكن حفظ الناقد – وهو فوق الثقة بلا شك – أولى من حفظ غيره، لأنه يعتمد على "الحصر" و "الإحصاء".
قال أبو حاتم (): "صليت بجنب يحيى بن معين فرأيت بين يديه جزءاً .. فطالعته، فإذا: "ما روى الأعمش عن يحيى بن وثاب أو عن خيثمة – شك أبو حاتم – فظننت أنه صنف حديث الأعمش " اهـ.
معنى ذلك أن ابن معين كانت عنده أحاديث الأعمش مصنفة بحسب مشايخه، وهذا "حصر" لأحاديث الأعمش بصورة دقيقة متقنة، وقص على ذلك أحاديث غيره، وكذا صنيع غالب النقاد.
وقال علي بن الحسين بن الجنيد (): ما رأيت أحداً أحفظ لحديث مالك بن أنس لمسنده ومنقطعة من أبي زرعة. فقال له ابن أبي حاتم: ما في الموطأ والزيادات التي ليست في الموطأ؟ فقال: نعم" اهـ.
وقال أبو زرعة (): " نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وفي غير مصر ما أعلم أني رأيت له حديثاً لا أصل له" اهـ.
¥