4 - السؤال عن أحوال من لم يعرفهم من رجال الأسانيد التي يسمعها، وجمع أحاديث المقلين منهم، ومعرفة المجاهيل من الرواة، ومن لم يرو عنهم إلا القليل، والوقوف على الأحاديث التي لا ترد إلا من طريقهم، وكشف الشواذ والمناكير من الآثار بعرضها على أصول الكتاب والسنة، وعلى سائر ما صح من الأخبار، ويكون ذلك وغيره باستعمال "ملكته" الخاصة، وبالمذاكرة بينه وبين سائر النقاد الأحبار.

والناقد يحفظ تلك الغرائب للمعرفة، لا لروايتها ولا للاحتجاج بها، وإنما يهجرها الأئمة ولا يعولون عليها، لثبوت الوهم تفيها خطأ أو عمداً، وللأسف يأتي من بعدهم فيقفون عليها، فيظنون بأنفسهم خيرا، ولا يدركون ما فيها من الشذوذ والغربة – سنداً أو متناً -، فلا يقنعون بهجر الأوائل لها، ولا بتركهم لروايتها، ولا بتنبيه بعضهم على نكارتها، فتجدهم يقوون بها أحاديث ضعيفة، ويضمدون بها أخبار جريحة، ويتباري القاصرون في تصحيح تلك المناكير، غير ملتفتين إلى أن الناقد خبير.

وقد كان للنقاد عناية خاصة بالتعرف على غرائب الحديث، وأوهام الرواة، وكانت جل مذاكراتهم إنما تدور حول هذا النوع من الحديث، فيتذاكرون علل الأحاديث، وأخطاء الرواة، ويقومون بالفحص عنها والتفيش عن مظانها، حتى إنهم ليتنافسون في معرفتها والوقوف عليها.

وقد سبق إيراد قول أبي حاتم: "جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ ... ".

وكان لأصحاب الحديث لغة يعبرون بها عن تلك الغرائب، قال الإمام أحمد: "إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة، فأعلم أنه خطأ، أو دخل في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. فإذا سمعتهم يقولون: لا شيء فاعلم أنه حديث صحيح" ().

وقوله " لا شيء " أي ليس هو من جنس ما يعتنون بتحصيله ومعرفته، وإنما هو حديث صحيح مشهور.

وقد كان النقاد – مع معرفتهم بتلك الغرائب – يمدحون المشهور من الحديث، ويذمون الغريب منه، خشية أن يتتبعها من لا علم له، فيسقط فيها.

قال عبد الله بن المبارك: "العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا" يعني المشهور. وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب"، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس". وقال الإمام أحمد: "شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها". وقال أيضاً: "تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم؟! ".

وقال شعبة: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ" ().

يقول الخطيب البغدادي (): "أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين الضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبا، والثابت مصدوفا عنه مطروحاً، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين، والأعلام من سلفنا الماضين".

نقل ذلك ابن رجب في "شرح العلل" (1/ 409)، ثم قال: "وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، أو أفراد الدار قطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير" اهـ.

ويلتحق بما ذكره ابن رجب: كتب الضعفاء، ككتاب العقيلي، وابن حبان، وابن عدي، وكتاب "الحلية" لأبي نعيم، و "مسند الفردوس" للديلمي، وأغلب ما يساق في تراجم الرواة في كتب التواريخ مثل: تاريخ الخطيب، والحاكم، وابن عساكر، وغيرها، وكتابي أبي الشيخ وأبي نعيم في "الأصبهانين" وغيرها من كتب تواريخ البلدان، وطبقات الرواة، وكتب "الفوائد"، والأجزاء الحديثية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015