وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاد، وقد كانوا في القلة بحيث صاروا رؤوس أصحاب الحديث فضلاً عن غيرهم، وأضحت الكلمة إليهم دون سواهم.
ندرة أهل النقد ودقة منهجهم:
وليس ذاك الرجل الذي حكى أبو حاتم مجيئه إليه، وعرضه دفتره عليه – وقد كان من أهل الفهم من أصحاب الرأي – بأحسن حالاً من كثير من أهل بلده وعصره فضلاً عمن بعدهم.
قال أبو حاتم (): "جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا. وربما أشك في شيء أو يتخالجني شيء في حديث، فإلي ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه. قال أبو حاتم: وكذاك كان أمري.
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي. محمد بن مسلم [يعني: ابن وارة]؟ قال: يحفظ أشياء عن محدثين يؤديها، ليس معرفته للحديث غريزة". أهـ.
وابن وارة حافظ ثبت، قال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، وجدت أبا زرعة يجله ويكرمه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أحفظ من رأيت: ابن الفرات، وابن وآرة، وأبو زرعة. وقال النسائي: ثقة صاحب حديث. وقال الطحاوي: ثلاثة بالري لم يكن في الأرض مثلهم في وقتهم: أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة.
ومع ذلك يقول عنه أبو حاتم: ليس معرفته للحديث غريزة.
فأنت ترى عزة هؤلاء النفر وندرتهم بين أهل زمانهم، ووعورة طريقتهم على أكثر الخلق – وفيهم جملة من المشتغلين بالحديث وروايته – مع اطلاع الكثير على أحوالهم، وسعة حفظهم، وتوفر المقتضى الداعي لفهم منهجهم، من القرب منهم، وإمكانية الرجوع إليهم، مع مشاهدة ميدان الرواية، ومجالس التحديث، وأحوال الرواة تحملاً وأداءً، ودرجاتهم في التثبت والاحتياط، وغير ذلك من المجالات التي تدور عليها تعليلات هؤلاء النقاد.
فإذا كان الأمر على نحو ما ذكرت، فليس من عجب أن تزداد تلك الوعورة على من بعدهم، وتزداد الهوة بينهم، إلى سائر الأزمان المتأخرة، وهلهم جرا إلى زماننا هذا.
رأس مال الناقد:
فمما ينبغي أن يستحضره الناظر في كلام الناقد: هذا الاطلاع الواسع الذي سبق التنبيه عليه إجمالاً، ولكني ههنا أخص بالذكر "رأس مال الناقد" في هذا الشأن، ألا وهو:
"الإحصاء والحفظ"
فأقول: كان الناقد يستوعب أولاً ما عند شيوخ بلده من الحديث فيسمعه، ويكتبه على الوجه، محصيا أحاديث كل شيخ عن شيوخه، حافظاً لتلك الأسانيد برواتها ومتونها، وربما كان بعضهم يصنف أحاديث الشيوخ على: الأبواب، كالإيمان والطهارة والصلاة ونحوها، أو على المسانيد، كحديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس وهكذا. فيصير الحديث الواحد عنده مخرجاً في أكثر من باب. ولاشك أن في شيوخ هذا الناقد من أهل بلده من رحلوا، ورووا عن شيوخهم من هنا وهناك، فأصبح عند الناقد أحاديث بعض شيوخ البلدان والأمصار.
ثم يبدأ الناقد في سماع الحديث والأثر، ويصنع بأحاديث كل شيخ ممن سمعهم في الرحلة مثلما صنع في أحاديث شيوخ بلده، ولا شك أن في سماعه الجديد أشياء يسمعها من شيوخ شيوخ بلده، فيقارنها بما سمعه من شيوخ بلده عنهم، فمن النقاد من يكتبها مرة أخرى، ومنهم من ينتخب ما يجد فيها خلافاً عما سمعه من شيوخ بلده أو غيرهم – سواء كان هذا الاختلاف في الإسناد في المتن، وكان من أمثلة النوع ا لأول من هؤلاء النقاد: أبو زرعة، ومن النوع الثاني: أبو حاتم رحمهما الله تعالى.
قال ابن أبي حاتم (): سمعت أبي رحمة الله يقول: "كنا إذا اجتمعنا عند محدث أنا وأبو زرعة، كنت أتولى الانخاب، وكنت إذا كتبت حديثاً عن ثقة لم أعده، وكنت أكتب ما ليس عندي. وكان أبو زرعة إذا انختب يكثر الكتابة، كان إذا رأى حديثاً جيداً قد كتبه عن غيره أعاده" اهـ.
وكان الناقد ربما سمع من الشيخ الواحد عدة مرات، بينها فترات؛ التماسا لسماع ما لم يسمعه منه من قبل، وكان ينتخب أيضاً ما فاته سماعه فقط، فيكتبه، أما المعاد، فإنه يعرضه على كل ما كتبه عنه أولاً؛ لاختبار حال الشيخ في الضبط.
¥