فهؤلاء النقاد – لما انتشرت رواية الأحاديث الضعيفة بحسن نية من الرواة الصالحين الموصوفين بكثرة الغلط وغلبة الوهم، وبسوء نية من أصحاب الأهواء وغيرهم – شمروا عن ساعد الجد، وتأهبوا للقيام بالمهمة التي أنيطت بهم، وعزموا على تنقية السنة الشريفة من كل ما خالطها من الأباطيل والأكاذيب.

وأرسى هؤلاء القواعد لحفظ الأسانيد والمتون من الوضع والتحريف والتصحيف والأوهام؛ كما اشترطوا شروطاً وضوابط لقبول الحديث أو رده، غاية في الإتقان.

فقد بلغ هؤلاء من البراعة في الدقة، والتثبت، والاحتياط ما يحير العقول، حتى لقد حدا ببعض من لم يعرف لهم قدرهم، ولم يطلع على قدراتهم، ولم يضبط قواعد فنهم، أن رأي أحكامهم على الأخبار تصحيحاً وتضعيفاً، بكلام مجمل، فظن أنهم يدعون الغيب، أو أنهم يتكهنون!

قال أبو حاتم الرازي (): "جاء من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه على، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ؛ قد دخل لصحابه حديث في حديث. وقلت في بعضه: هذا حديث باطل وقلت في بعضه: هذا حديث منكر. وقلت في بعضه: هذا حديث كاذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح.

فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟. أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟.

فقلت لا، وما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب.

فقال: تدعي الغيب؟

قلت: ما هذا ادعاء الغيب.

قال: فما الدليل على ما تقول؟

قلت: سلْ عما قلتُ من يُحسنُ مثل ما أحسنُ، فإن اتفقنا، علمت أنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم.

قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟

قلت: أبو زرعة.

قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟

قلت: نعم.

قال: هذا عجب. فأخذ، فكتب في كاغد ألفاطي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلى، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث.

فما قلت إنه باطل، قال أبو زرعة: هو كذب. قلت: الكذب والباطل واحد. وما قلت إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل. وما قلت إنه منكر، قال: هو منكر، كما قلت: وما قلت إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح.

فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما؟ فقلت: فقد () ذلك أنا لم نجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا، والدليل على صحة ما نقوله بأن دينارا نبهرجا () يحمل إلى الناقد ()، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت أن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهجر هذا الدينار؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمن أين قلت إن هذا نبهرج؟ قال: علماً رزقت.

وكذلك نحن، رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه " أهـ.

قلت: معنى كلام أبي حاتم رحمه الله تعالى أنه قد صارت له ولأبي زرعة وغيرهما من النقاد -وهم قليل كما سيأتي- "ملكة" قوية و "سجية" و "غريزة"، يكشفون بها زيف الزائف، ووهم الواهم وغير ذلك.

أسباب تحيل تلك "الملكة":

وهذه " الملكة لم يؤتوها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلة طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان، من سمع في كل بلد؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه، ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس عن هؤلاء الشيوخ، وعرض مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.

هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.

هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وامتلاك النفس عند الغضب، وعدم الميل مع الهوى، والإنصاف مع المواقف والمخالف، وغير ذلك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015