ثم خلفهم تابعو التابعين، وهم خلف الأخيار، وأعلام المصار في دين الله عز وجل، ونقل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه وإتقانه، والعلماء بالحلال والحرام، والفقهاء في أحكام الله عز وجل وفرضه وأمره ونهيه) ().

وهم على مراتب في الورع والضبط والإتقان، وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدراً. ومنهم أيضاً – وهم في هذه الطبقة أكثر من التي قبلها – من ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فبينوا أمرهم.

هكذا حمل المتأخر عن المتقدم، واللاحق عن السابق، وتناقلت الرواة الأخبار والسنن، وزادت الوسائط المبلغة لدين الله عز وجل، وسميت هذه الوسائط بـ: "الإسناد".

ولما كان الله عز وجل قد أرتضى أن يكون "النقل" هو السبيل إلى تعرف هذه الأمة على دينه وشرعه، وقد ضمن الله لنا حفظ الدين، فقد دل ذلك أن السبيل إلى هذا التعرف – ألا وهو النقل الذي تقوم به الحجة – محفوظ أيضاً.

فكيف إذا حفظ الله عز وجل هذا "النقل"؟

والجواب: أن الله تعالى كما اختار لصحبه نبيه أعلاماً أكفاء، إئتمنهم على تبليغ دينه، فقد اختار أيضاً رجالاً صنعهم على عينه، وخصهم بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة، وهيأ لهم من الأحوال، ما جعلهم علماً للإسلام، وقدوة في الدين، ونقاداً لناقلة الأخبار، فاجتهدوا في حفظ هذا الدين، ونفي تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وبيان خطأ المخطئين، ولو كانوا من الثقات المتقنين.

وميز هؤلاء بين عدول النقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة.

(وقد جعلهم الله تعالى أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والوساطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته.

أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة.

وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه – سواهم؛ فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء.

يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظه الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته.

إذا اختلف في حديث، كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع.

وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم.

المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير.

قد جعلهم الله عز وجل حراس الدين، وصرف كيد المعاندين، لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين.

فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، اقتفاء لحديث النبي المختار.

قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها.

وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بهم عنها، فهم الحفاظ لأركان، والقوامون بأمرها وشأنها، {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22] ().

ولولا هؤلاء الأئمة الجهابذة النقاد الذين اصطفاهم الله عز وجل لحفظ دينه، لا ندرس الإسلام، ولغابت شمس الشريعة عن الأنام، ولأصبح الناس في ظلمة دهماء، وحيرة عمياء، لا يميزون بين الحق والباطل، ولا الصحيح من السقيم، ولارتفع صوت الإلحاد، ولضاع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كيد كائد، وحقد حاقد.

فاللهم انفعنا بمحبتهم، واحشرنا في زمرتهم، ولا تفتنا بعدهم، ولا تحرمنا أجرهم، واجعلنا من اتباعهم، وحملة لوائهم، وبلغنا شرف منزلتهم، وحسن سيرتهم، وأمتنا على ملتهم، إنك بنا خبير بصير.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015