ولذا فقد أمنا – ولله الحمد – أن تكون شريعة أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ندب إليها، أو فعلها عليه السلام، فتضيع، ولم تبلغ إلى أحد من أمته. وأمنا أيضاً أن يكون الله تعالى يفرد بنقلها من لا تقوم بنقله الحجة. وكذا أن تكون شريعة يخطئ فيها راويها الثقة، ولا يأتي من الدلائل أو القرائن أو الشواهد ما يبين خطاه فيه.

ولذلك فإنه يتمنع أن يريد الله تعالى تشريع حكم، ثم يقطع على الأمة الطريق الموصلة إليه. وهذا القطع إما أن يكون بعدم وصوله إليهم وكتمانه عنهم أصلاً، وإما بإيصاله إليهم من طريق لا تقوم عليهم به حدة. فالأول ممنوع شرعاً وعقلاً، والثاني مردود لعدم فائدته.

(ولما كان ثابت السنن والآثار، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار، ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال؛ إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها، ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها) ().

فإذا قد أقام الله تعالى الحجة بحفظ دينه، وكان الكتاب لا يختلف في سبيل وصوله، وضمن الله تعالى لنا حفظ سنة نبيه، فقد وجب علينا معرفة السبيل الذي أرتضاه الله عز وجل ليكون حجة علينا في معرفة معاني كتابه، ومعالم دينه، وأحكام شرعيته.

وهذا السبيل هو: "النقل والرواية".

فقد اختار الله عز وجل لصحبة نبيه قوماً، شرفهم، وأعلى قدرهم، ورفع منزلتهم، ورضى عنهم، فحفظوا على الأمة أحكام الرسول، وأخبروا عن أنباء التنزيل، ونقلوا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله، في: يقظته ومنامه، وقعوده وقيامه، وملبسه ومركبه، ومأكله ومشربه، وهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عز وجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والريبة، وسماهم عدول الأمة، فكانوا أئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة.

فهذا هو أصل المحجة التي ارتضاها الله عز وجل لهذه الأمة في معرفة دينه، ألا وهو نقل الصحابة الكرام عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمشاهدة والمعاينة للوحي والتنزيل.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حض صحابته على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، فقال: "بلغوا عني ولو آية". وقال في خطبته: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب". ودعا لمن بلغ عنه فقال: "نصر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره".

(ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به: ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكموا بحكم الله عز وجل، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافتوا فيما سُئلوا عنه ما حضرهم من جواب رصول الله صلى الله عليه وسلم عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل، رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين.

ثم خلف بعدهم التابعون الذي اختارهم الله عز وجل لإقامة دينه، وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره، فحفظوا عن صحابته ما نشروه وبثوه من العلم، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله عز وجل ونهيه بحيث وضعهم الله عز وجل، ونصبهم له، إذ يقول الله عز وجل: {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100].

فصاروا – برضوان الله عز وجل لهم وجميل ما أثنى عليهم – بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز أو تدركهم وصمة؛ لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم – رحمه الله ومغفرته عليهم أجمعين – إلا ما كان ممن الحق نفسه بهم، ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم، ولا هو في مثل حالهم، لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان، ممن بين أهل النقد حالهم، وميزوهم عن غيرهم من أقرانهم ليعرفوا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015