ولعل أبرز من يمثل هذه المرحلة هو ابن عدي في كتابه " الكامل في ضعفاء الرجال". كان ابن عدي يعتمد أقوال المتقدمين، فيوردها عادة في صدر الترجمة، ثم يفتش حديث الرجل –وهذا يقتضي أن يجمع حديثه، ويسوق منه أحاديثه المنكرة، أو ما أنكر عليه، أو الأحاديث التي ضعف من أجلها، فيدرسها ويبين طرقها – إن كانت لها طرق أخرى -، ويصدر حكماً في نهاية الترجمة يبين فيه نتيجة دراسته هذه، ويعبر عن ذلك بأقوال دالة نحو قوله: "لم أجد له حديثاً منكراً" ()، أو: "لا أعرف له من الحديث إلا دون عشرة"، أو: "هذه الأحاديث التي ذكرتها أنكر ما رأيت له" (). ونحو ذلك من الأقوال و الأحكام التي تشير إلى أن الأساس في الحكم على أي شخص جرحاً أو تعديلاً هي الأسانيد التي ساقها والمتون التي رواها، ولا ما قاله أهل الجرح والتعديل فقط. وقد دفعه هذا المنهج إلى إيراد رجال لم يتكلم فيهم أحد، لكنه وجد لهم أحاديث استنكرت عليهم لمخالفتهم ما هو معروف متداول من الأسانيد والمتون، وهو ما يُعبر عنه بعدم متابعة الناس له عليها، أو أنها غير محفوظة، نحو قوله في ترجمة سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري بعد أن ساق له جملة أحاديث غير محفوظة: "ولسعد غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه غير محفوظ، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، إلا أني ذكرته لأبين أن رواياته عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة عامتها لا يتابعه أحد عليها" ().

وقضية سعد هذا بينها ابن حبان في "المجروحين" بشكل أوضح، فقال: "يروي عن أخيه وأبيه عن جده بصحيفة لا تشبه حديث أبي هريرة يتخايل إلى المستمع لها أنها موضوعة أو مقلوبة أو موهومة، لا يحل الاحتجاج بخبره ".

المرحلة الرابعة: التأكيد على نقد السند استناداً إلى أقوال أئمة الجرح والتعديل بعد جمعهم لها والموازنة بينها، ووضع القواعد الخاصة بهذا الأمر مما ظهر في كتب المصطلح، فصححوا الأحاديث التي اتصل إسنادها برواية الثقات العدول، وخلت من الشذوذ والعلة، وحسنوا الأحاديث التي اتصلت أسانيدها، واختلف النقاد في واحد أو أكثر من رواتها، وضعفوا الأحاديث التي لم تتصل أسانيدها، أو ضعف واحد أو أكثر من رواتها، على اختلاف بينهم بين متشدد ومتساهل بحسب مناهجهم التي ارتضوها، وما أدري إليه اجتهادهم. وقد ظهر هذا الاتجاه منذ عصر أبي عبد الله الحاكم النيسابوري "ت 405هـ" وإلى عصور متأخرة.

المرحلة الخامسة: وهي المرحلة التي سادت بين أوساط المشتغلين بهذا العلم – على قلتهم- في العصور المتأخرة وإلى يوم الناس هذا، وهي التي تعتمد أقوال المتأخرين في نقد الرجال، ولا سيما الأحكام التي صاغها الحافظ ابن حجر في "التقريب" حيث صار دستوراً لمشتغلين في هذا العلم، فيحكمون على أسانيد الأحاديث استناداً إليه، ولا يرجعون – في الأغلب الأعم – إلى أقول المتقدمين، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يعتمدون تصحيح أو تضعيف المتأخرين للأحاديث مثل الحاكم، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، وغيرهم من أن هؤلاء لم ينهجوا منهج المتقدمين في معرفة حال الراوي من خلال مروياته، وإنما اعتمدوا أقوال المتقدمين في نقد الرجال مع تساهل غير قليل عند بعضهم مثل الحاكم وغيره.

ثانياً: قواعد المصطلح والحكم على الرواة اجتهادية:

إن القواعد التي وضعها مؤلفو كتب المصطلح اجتهادية، منها ما هو مبني على استقراء تام، ومنها – وهو أغلبها – ما هو مبني على استقراء غير تام.

وكذلك الحكم على الرواة في الغالب، لم يبين على الاستقراء التام؛ فالأحكام الصادرة عن الأئمة النقاد تختلف باختلاف ثقافاتهم، وقدراتهم العلمية والذهنية، والمؤثرات التي أحاطت بهم، وبحسب ما يتراءى لهم من حال الراوي تبعاً لمعرفتهم بأحاديثه ونقدهم مروياته، وتبينهم فيه قوة العدالة أو الضبط أو الضعف فيهما، وقد رأينا منهم من ضعف محدثاً بسبب غلط يسير وقع فيه لا وزن له بجانب العدد الكثير من الأحاديث الصحيحة التي رواها، ووجدنا منهم من يوثق محدثاً على الرغم من كثرة أوهامه وأخطائه، قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب "سبل السلام" في رسالته: "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد": "قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015