فهؤلاء العلماء الثلاثة لم يدركوه ولا عرفوه عن قرب ولا نقلوا عن شيوخهم أو آخرين ما يفيد ذلك، فكيف تم لهم الحصول على هذه النتائج والأقوال؟ واضح أنهم جمعوا حديثه ودرسوه، وأصدروا أحكامهم اعتماداً على هذه الدراسة.
وحينما يذكر المتقدمون أن النقد إنما يقوم على العلماء الجهابذة، فليس معنى ذلك أنه يقوم على دراسة الإسناد، يقول ابن أبي حاتم: "فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والقسيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمانِ" ().ثم قال: "قيل لابن المبارك: وهذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة " ().
ولعل الرواية الآتية أبين دليل على أن العلماء الذين تمرسوا بهذا العلم في هذه المرحلة إنما كانوا يتقدمون المتون أكثر من نقدهم الأسانيد، قال أبو حاتم الرازي: "جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه علي، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح. فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني علطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب. فقال: تدعي الغيب. قال: قلت: ما هذا ادعاءً الغيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم. قال: هذا عجب. فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلى وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث فما قلت: إنه باطل، قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت إنه منكر، قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح. فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غيره موطأة فيما بينكما. فقلت: فقد تبين لك أنا لم نجازف وإنما قلنا بعلم ومعرفة قد أوتينا.
والدليل على صحة ما نقوله بأن ديناراً نبهرجاً يُحمل إلى الناقد، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول دينار: هو جيد. فإن قيل له: من أين قلت: أن هذا نبهرج، هل كنت حاضراً حين بهرج؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهجره: أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا. قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علماً رزقت. وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك.
قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجاً، قال: لا. قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت. وكذلك نحن رزقنا علماً لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه" ().
وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثر أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تتبع اليوم، ولا سيما في المختلف فيهم، إذا يتعين جمع حديثهم، ودراسته من عدة أوجه:
أولها: أن ينظر في الراوي إن كان له متابع على روايته ممن هو بدرجته، أو أكثر إتقاناً منه.
والثاني: أن يعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث، فإن وافقها اعتبرت شواهد لها يتقوى بها، أما الشواهد الضعيفة فلا عبرة بها.
المرحلة الثالثة: الجمع بين أقوال المتقدمين في الرواة، وبين جمع حديث الراوي وسبره وإصدار الحكم عليه، كما نراه واضحاً عند علماء القرن الرابع الهجري مثل ابن حبان "ت354هـ" وابن عدي الجرجاني "ت 365هـ"، والدار قطني "ت 385هـ".
¥