وقال الحافظ العلائي: " فهذا (قبول زيادة الثقة) كلام أئمة الأصول ممن وقفت عليه، وأما أئمة الحديث فالمتقدمون منهم كيحي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهما كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ومسلم والنسائي والترمذي وأمثالهم، ثم الدار قطني و الخليلي، كل هؤلاء يقتضي تصرفهم في الزيادة قبولا وردا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث، وهذا هو الحق والصواب كما سنبينه إن شاء الله تعالى " 26 ثم استثنى العلائي منهم الإمام الحاكم وابن حبان لتساهلهما في التصحيح.

وهذه النصوص كلها واضحة وجلية في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في مسألة التصحيح والتضعيف وما يلحق بهما من المسائل والضوابط، وأن المتقدمين هم نقاد الحديث، وأن المتأخرين هم الفقهاء وعلماء الكلام والأصول ومن تبعهم في المنهج من أهل الحديث، دون النظر إلى الفاصل الزمني في التفريق.

ولذا أطلق السخاوي بقوله السابق: " ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي و نحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدار قطني والبيهقي، ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب" 27.

ومن هنا يتجلى وهاء ما ذكره الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (رحمة الله عليه) في سبيل دفاعه عن حديث عون بن عبدالله الخزار عن مالك عن الزهري عن نافع عن ابن عمر مرفوعا موضوع ترك رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، وعن صحته، مع أن الراوي قد انفرد به مخالفا للثابت عن مالك ثم عن الزهري ثم عن نافع ثم عن ابن عمر ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونص بعض النقاد على أنه باطل، وأوضح ذلك الشيخ الألباني رحمة الله عليه.

بيان مواضع أخرى من كتب المصطلح استخدم فيها العلماء مصطلحي المتقدمين والمتأخرين:

كتب المصطلح تزخر بلفظي المتقدمين والمتأخرين في كثير من المسائل، ومنها طرق التحمل والأداء، والجرح والتعديل، حيث كان هذان الموضوعان محل عناية لدى المتأخرين، على الرغم من اختلاف تخصصاتهم العلمية وتوجهاتهم الفكرية، إذ الأولى تشكل نظم التعليم التي من شأنها أن تطور وفق مقتضيات العصر، ويتأثر بذلك جميع العلوم. وأما الثاني فدخل فيها الفقهاء والأصوليون من باب مسألة الشهادة، وأطنبوا فيها حتى تعرضت لخلط الآراء القديمة و الجديدة، ومعلوم أن معظم المؤلفين في كتب المصطلح هم أصحاب تخصص فقهي أو أصولي أو تاريخي مع وجود تفاوت كبير فيما بينهم من حيث الفهم والممارسة والاهتمام.

استعمال مصطلحي " المتقدمون" و " المتأخرون " أمر شائع في كتب المصطلح:

وأسرد هنا ـ على سبيل المثال دون استيعاب ـ تلك المواضع التي ورد فيها مصطلحا "المتقدمين" و " المتأخرين" من غير ترتيب موضوعي لها، أو توضيح ملابسات تلك المسائل التي تعرضت للتباين المنهجي بينهم , إذ الغاية هي مجرد عرض لهذه المواضع ليقف القارئ على أنني لم أحدث شيئا جديدا في قضية التفريق بين المتقدمين والمتأخرين. وأنا على يقين أن القارئ على علم بذلك.

1 - قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى): " وكذا خصصوا (الإنباء) بـ (الإجازة) التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته. نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين 28.

2 - و قال أيضا: " والإنباء بمعنى الأحبار عند المتقدمين جزما " 29.

3 - وقال أيضا: " قوله (أنبأنا أبو إسحاق) كذا هو بلفظ الإنباء، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الإخبار والتحديث وهذا منه " 30.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015