ربما نجد في نصوص بعض المتأخرين أن المحدثين يضعفون الأحاديث لعلة غير قادحة، وأنهم يضعفون الحديث لاختلاف رواته على شيوخهم في اسم الصحابي، ويعدون مثل هذا الاختلاف علة تقدح في صحة الحديث. و أما الفقهاء فلا يعدونه قادحا لأن الحديث في جميع الاحتمالات يكون من رواية الصحابي، ولا يضر الإبهام في اسمه لثبوت عدالة الصحابة، مما يوهم القارئ المستعجل أن الفقهاء هم في غاية من الدقة في التصحيح و التضعيف. أقول: كلا ثم كلا، فإن ذلك النوع من الخلاف لن يكون مقياسا لمعرفة دقة الفقهاء في التصحيح و التضعيف و مرونتهم في ذلك، وهذا في الواقع أمر سهل، بل لا يرد أحد من النقاد الأحاديث من أجله، وإنما يرفض فقط أن يحدد الراوي بأنه فلان، لوقوع اضطراب حوله، دون أن يقدح ذلك في صحة الحديث.
وأما الخلاف الجوهري المتمثل في كون الحديث موقوفا أو مرفوعا، أو كون الحديث مرسلا أو متصلا، أو كون الحديث بزيادة أو بدونها فيعد ذلك كله من العلل القادحة فقط إذا توفرت القرائن على أن رفعه أو وصله أو زيادته خطأ محض من راويه أيا كان هذا الراوي، ولم يكن ذلك مبنيا على مجرد تخمين، أو تجويز عقلي.
في حين يعد الفقهاء هذا النوع من الاختلاف عللا غير قادحة، نظرا لكون راوي ذلك ثقة أو صدوقا، وأن الزيادة منه مقبولة عندهم إذ كانوا يجوزون عقليا صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم صارفين النظر عما يحيط بتلك الزيادات من ملابسات وقرائن. ولذا فعلى المنصف أن يتأمل: أي منهج يتسم بالدقة المتناهية التي تقتضيها مكانة السنة النبوية، منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع القرائن والملابسات؟ أو منهج الفقهاء و الأصوليين الذي يعتمد على التجويز العقلي؟ 23.
وفي ضوء ما سبق ذكره يمكن لنا القول: من كان منهجه في التصحيح و التضعيف هو النظر في عدالة الراوي واتصال السند فهو على طريقة الفقهاء، وعليه جرى عمل كثير من المتأخرين من أهل الحديث عموما، وهو ظاهر لكل من يتتبع كتب الفقه وأحاديث الأحكام، وكتب التخريجات، وكذلك المعاصرون ينتهجون المنهج نفسه، كما نرى ذلك في كثير من بحوثهم ودراساتهم. غير أنهم يتفاوتون في ذلك بقدر ممارستهم بمنهج المحدثين النقاد.
هذا وقد تبلور التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في تقعيد قواعد القبول والرد في مناسبات أخرى في علوم الحديث، كمبحث تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، ومبحث زيادة الثقة، ومبحث الاستخراج، ومبحث الشاذ المنكر.
يقول الحافظ العلائي في صدد بيان هذا التباين:
" فأما إذا كان رجال الإسناد متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شئ من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم، فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء."
" فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده ".
" وأما أئمة الفقه والأصول، فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه يعني كما تقدم تفصيله عنهم. ويلزم على ذلك قبول الحديث الشاذ كما تقدم " 24.
و قال الحافظ ابن حجر: " وهذا (يعني قبول زيادة الثقة) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محي الدين النووي في مصنفاته " 25.
¥