فالنيّة محلّها القلب ولا يجوز التلفظ بها، بل التلفظ بها بدعة محدَثة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

والله أعلم

=========

وهذا سؤال ثالث من أخت فاضلة ثالثة:

أول كلمة اقولها في هذه الزاوية ..

أستاذي الحبيب .. جزاك الله خير الدنيا والاخرة .. وكتب لك بها الرضى والعافية والأجر في الدنيا والأخرة

وسدد خطاك .. وحفظك وزادك من فضله في الدنيا والأخرة

عندي سؤال بعد أذنك

ألا تحتاج بعض الأعمال إلى إظهارها وعملها علنا أمام الخلق طمعا في اقتداء الناس بهذا العمل .. كحفظ القرآن الكريم على سبيل المثال .. اتمنى أن اعرف الإجابة ..

-------------

الجواب:

بورك فيك واحسن الله إليك

بل أنا أشكر استجابتك وحضورك

وحيّاك الله أختاً لنا مشاركة ومُفيدة في الوقت نفسه

أخيّه:

الأصل في الأعمال الإخفاء (أن تُخفى)

لقوله سبحانه: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ)

وفي حديث السبعة الذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه قال صلى الله عليه وسلم فيهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه. متفق عليه.

وبوّب عليه الإمام البخاري: باب صدقة السر.

وعقد قبله باباً: باب صدقة العلانية، ثم ساق قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)

وقد تقدّم أن إخفاء العمل الصالح أبلغ في الإخلاص

وحال السلف يدل على ذلك، وسأذكر بعض الأمثلة بعد ذلك إن شاء الله

غير أنه إذا طمِع المسلم أو المسلمة في الاقتداء به بذلك العمل فله أن يُظهره شريطة أن يُجاهد نفسه، لأن الشيطان سيُدخل عليه الرياء.

ومن هنا فقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم بعض أعمالهم لما احتاجوا إلى ذلك

فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنه قال: كنا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة) إلى آخر الآية: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) والآية التي في الحشر (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة. الحديث.

فهذا الأنصاري قد جاء بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت

وكان هذا على مرأى ومسمع من الناس.

فإذا اقتضت المصلحة إظهار العمل الصالح فإنه يُظهره لتلك المصلحة فحسب.

والله أعلم.

================

أخثراً:

كنتُ قد وعدت أن أسوق شيئا من أحوال السلف في إخفاء العمل وحرصهم على ذلك واجتهادهم فيه، وهذا أوان الشروع في المقصود:

لما رأى ابن عمر رجلاً يُصلي ويُتابع قال له: ما هذا؟ قال: إني لم أصل البارحة، فقال ابن عمر: أتريد أن تخبرني الآن! إنما هما ركعتان.

ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال حصين بن عبد الرحمن: قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت. فَذَكَرَ الحديث. رواه مسلم.

فقوله – رحمه الله –: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة.

وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص.

وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِرّاً؛ إن كان ليجئ الرجل وقد نَشَرَ المصحف، فيغطيه بثوبه.

قال الأعمش: كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015