وقال سفيان بن عيينة: ما رأيت أجرأ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيرده، بلغه أني أروي؛ أن ((البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا.)).
فجعل يقول: أرأيت إن كانا في سفينة؟ أرأيت إن كانا في السجن؟ أرأيت إن كانا في سفر، كيف يفترقان؟.
وقال وكيع: سأل ابن المبارك أبا حنيفة، عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلا عاقلا، فقال ابن المبارك: إن كان طار في الأولى، فإنه يطير في الثانية، فسكت أبو حنيفة، ولم يقل شيئا.
قال سفيان: ولم يزل أمر الناس معتدلا، حتى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة، وعثمان البتي بالبصرة، وربيعة بن أبي عبد الرحمان بالمدينة، فنظرنا، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم. ((تاريخ بغداد)) 13/ 413.
- وقال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن شيء، قال: لا أدري، قال: قيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحيي من الله، أن يدان في الأرض برأيي. ((سنن الدارمي)) (107).
وقال أبو هلال: سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري، فقلت: قل فيها برأيك، قال: ما قلت برأي منذ أربعين سنة، وكان يومئذ له نحو من خمسين سنة.
قلت: فدل على أنه ما قال في العلم شيئا برأيه.
قال أبو عوانة: سمعت قتادة يقول: ما أفتيت برأي منذ ثلاثين سنة. ((سير أعلام النبلاء)) 5/ 237.
وعن عبد الله بن المبارك، أنه سأله رجل عن مسألة، فحدثه فيها بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: قال أبو حنيفة بخلاف هذا، فغضب ابن المبارك غضبا شديدا، وقال: أروي لك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأتيني برأي رجل يرد الحديث، لاحدثتكم اليوم بحديث، وقام. ((السنة)) لعبد الله بن أحمد (392).
لقد كان أحمد بن حنبل، رحمة الله عليه، يأمر تلاميذه، طلاب العلم، ورواة الحديث، إذا وقفوا على كتاب فيه أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعها آراء الفقهاء وأصحاب الرأي، أن يقوموا بتجريد الكتاب على الحديث فقط، وطرح ما عداه، وهذا يدل على معرفة هذا العالم العامل بقدر النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته؛
قال ابن هانىء: سئل، أحمد بن حنبل، عن أبي حنيفة: يروى عنه؟ قال: لا. قيل: فأبو يوسف؟ قال: كأنه أمثلهم. ثم قال: كل من وضع الكتب فلا يعجبني، ويجرد الحديث. ((مسائل ابن هانىء)) 2368: 2369.
وقال ابن هانىء: سمعت أبا عبد الله، أحمد بن حنبل، يقول: لا يعجبني شيء من وضع الكتب، ومن وضع شيئا من الكتب فهو مبتدع.
سألت أبا عبد الله، عن كتاب مالك، والشافعي، أحب إليك أو كتب أبي حنيفة، وأبي يوسف؟ فقال: الشافعي أعجب إلي، هذا إن كان وضع كتابا، فهؤلاء يفتون بالحديث، وهذا يفتي بالرأي، فكم بين هذين؟!. ((المسائل)) 1908 و 1909.
وقال ابن هانىء: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل من أردبيل، عن رجل يقال له: عبد الرحمان، وضع كتابا. فقال أبو عبد الله: قولوا له: أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا؟ أو أحد من التابعين؟ فاغتاظ، وشدد في أمره، ونهى عنه. وقال: انهوا الناس عنه، وعليكم بالحديث. ((المسائل)) 1911.
فهذا رجل من علماء هذه الأمة، عرف منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهان عنده ما عداه، ودعا الناس إليه، وحبنا لأحمد بن حنبل، رضي الله عنه، لا يعني أبدا أننا نأخذ برأيه في أمر يتصل بأحكام الله، فالرأي كله سواء.
ويقول أحمد بن حنبل، رحمة الله عليه: من دل على صاحب رأي، فقد أعان على هدم الإسلام. كتاب بحر الدم (5)، والمقصد الأرشد (114).
وقال أبو الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله، أحمد بن حنبل، وسئل عن أصحاب الرأي: يكتب عنهم الحديث؟ فقال أبو عبد الله: قال عبد الرحمان بن مهدي: إذا وضع الرجل كتابا من هذه الكتب، كتب الرأي، أرى أن لا يكتب عنه الحديث، ولا غيره.
قال أبو عبد الله،: وما تصنع بالرأي، وفي الحديث ما يغنيك عنه. بحر الدم: (612)، وتهذيب الكمال 17/ 437.
وقال إبراهيم بن هانىء، عن أحمد بن حنبل: اترك رأي أبي حنيفة وأصحابه. بحرالدم (1071).
¥