من المعلوم لطلبة علم الحديث أن حديث العرباض رضي الله عنه روي بعدة الفاظ وله طرق كثيرة وروايات مختلفة وقد أجاد وأفاد أخي أبو حازم فيما ذكر خلا حكمه وفقه الله فقد جانبه الصواب والله أعلم.
وما يهمنا منها هذه الراوية التي جاء فيها ذكر " فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ "
وللمعلومية بأن هذه العبارة أتت في رواية مستقلة عن الراوية المشهورة والتي تبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم: " أوصيكم بالسمع والطاعة .... الحديث.
فالبحث يجب أن يكون على هذه الرواية وهي قوله عليه الصلاة والسلام: " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ "
وهذه الراوية التي تبدأ بقوله " لقد تركتكم على البيضاء .... الحديث" جاءت من طريق معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.
وقد رواها عن معاوية بن صالح كل من:
1 - عبد الرحمن بن مهدي في مسند الإمام أحمد.
2 - أسد بن موسى في مسند الشاميين للطبراني.
3 - عبد الله بن صالح في المعجم الكبير للطبراني.
4 - محمد بن عمر الواقدي (لا يحتج به) في معرفة الصحابة لأبونعيم.
وجاءت رواية مشابهه عند أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم من طريق خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن العرباض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها لا يرغب عنها بعدي منكم إلا هالك ".
فهذه الرواية لا مطعن فيها من ناحية ثبوتها عن نبينا صلى الله عليه وسلم.
ويجب التنبيه على أن هذه العبارة ليست زيادة كما قال البعض لأنها جاءت عن أربعة رواة كلهم يرويها متصلة مع الحديث مع العلم بأن روايات حديث العرباض رضي الله عنه غير متطابقة كما في رواية جبير بن نفير في المستخرج.
وقد ذكر العرباض رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وعظهم قبل الوصية فالأحتمال كبير بأن العرباض رضي الله عنه قد حدث في وقت دون وقت بما لم يحدث من قبل , لذلك أتت الألفاظ متغايرة وليست متنافرة.
فنأتي الأن لقول من قال بالإدراج في الجزء الأخير من الرواية.
قال أهل المصطلح أن المدرج يُعرف بعدة أمور منها ما هو قطعي ومنها ما هو بغلبة الظن وهي:
1 - تصريح الراوي بأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المدرج أو ورود رواية مفصلة من طريق أخرى.
2 - استحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
3 - نص إمام من أئمة الحديث على ذلك.
يقول السخاوي رحمه الله:
لكن الحكم للإدارج بها مختلف , فبالأول قطعاً وبباقيها بحسب غلبة الظن للناقد. أهـ[فتح المغيث (1/ 267) ط الكتب العلمية]
فدعوى الإدراج في مسألتنا هذه لا ينطبق عليها إلا الأمر الثالث وهو ليس بقطعي بل بغلبة الظن وهو ما جاء عن أحمد بن صالح المصري.
وهو مردود بأن الإمام أحمد رحمه الله روى هذه الراوية بإسناد صحيح ولم ينبه على هذا الإدراج المزعوم وهو الإمام الذي لا يكاد يغفل عن مثل هذه الإدراجات وهنا أمثلة:
خرَّج الإمام أحمد في مسنده:
1 - ثنا أبو عامر، ثنا فليح بن سليمان، عن نعيم بن عبد الله المجمر، أنه رقي إلى أبي هريرة على ظهر المسجد وهو يتوضأ فرفع في عضديه، ثم أقبل عليّ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أمتي يوم القيامة هم الغر المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل منكم أن يطيل غرته فليفعل»
فقال نعيم: لا أدري قوله: «من استطاع أن يطيل غرته فليفعل» من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة.
¥