الجواب: إن مسلما مقر بأن العنعنة لا تدل على الاتصال لأنه لم يناقش خصمه في احتمالها للإرسال ولكن بين له أن احتمال الإرسال وارد حتى في حق من ثبت سماعه ولقيه.

قال (150 - 151):"وقد وَقَعَ ابنُ رُشيد في هذا التناقض!!

فانظر إليه وهو يستدلّ لمذهب من ردَّ العنعنة مطلقًا، فيقول: ((وحُجّتُه أن (عن) لا تقتضي اتّصالاً، لا لغةً ولا عُرفًا، (ثم بيَّنَ عدم اقتضائها الاتصال لغةً، وقال عن العُرْف:) وليس فيها دليلٌ على اتّصال الراوي بالمرويّ عنه، وما عُلم أنّهم يأتون بـ (عن) في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرُمُ ادّعاءَ العُرْف)) " السنن الأبين (44 - 45).

" ... ثم انظر كيف اختلف موقفه كل الاختلاف، عندما جاء لتقرير صحّة المذهب الذي تبنّاه، والذي كان يعتقد أنه مذهب البخاري وعلي بن المديني حيث قال في تقريره: (( .... إلا أن علماءَ الحديث رَأَوْا أن تَتَبُّعَ طلبِ لفظٍ صريح في الاتّصال يعزُّ وجودُه، وأنه إذا ثبت اللقاء ظُنَّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنوا كثيرًا بلفظ (عن) في موضع (سمعت) و (حدثنا) وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتّصال اختصارًا، ولما عُرِفَ من عُرْفِهم الغالب في ذلك، وأنه لا يضعُها في محلّ الانقطاع عَمَّن عُلِمَ سماعُهُ منه لغير ذلك الحديث بقَصْد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يُوهم أنه سمع ما لم يسمع. .)) السنن الأبين (62).

فانظر كيف اضطُّرَّ أن يرجع فيقول: ((ولما عُرِفَ من عُرفهم الغالب في ذلك))!!! "

الجواب: التناقض واقع فقط في ذهن الشيخ حاتم وإلا فكلام ابن رشيد واضح بأن عرفهم الغالب حملها على الاتصال إذا ثبت اللقاء، وأن عرفهم الغالب أنه لا يضعها في محل الانقطاع عمن علم سماعه منه.

قال (151 - 153):"فإن قيل: ألا يخرم هذا العُرْفَ روايةُ الراوي عَمّن عاصره ولم يلقه؟ فالجواب هو الأصل الثاني.

والأصل الثاني هو: أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بالصيغة الموهمة تدليسٌ، وفاعلُ ذلك مكثرًا من فعله مدلِّسٌ.

.... فما دامت (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه): تدليسًا، وما دامَ أن مذهب مسلم قد تضمَّن صراحةً اشتراطَ أن لا يكون الراوي المعنعِنُ مدلِّسًا، فلا يصحُّ إيراد احتمال أن يكون هذا الراوي غير المدلِّس عندما عنعن عمّن عاصره قد روى عنه مع عدم اللقاء، لأن روايته كذلك تدليسٌ، والأصلُ فيه عدمُ فعل ذلك، لكونه ليس مدلِّسًا."

الجواب: المعترض المفترض اعترض على عرف الرواية ولم يسأل عن مذهب مسلم، والذي ظهر لي كما سبق في مناقشة المسألة الأولى أن مسلما استعمل التدليس في المعنى الخاص الذي يخرج منه الرواية عمن عاصره ولم يلقه.

قال (153):"فمشكلة بعض العلماء الذين نصروا المذهب المنسوب إلى البخاري، كالحافظ ابن حجر ومن تبعه، أنهم أخرجوا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من مُسَمَّى التدليس."

الجواب: ليست المشكلة في التفريق بين التدليس والإرسال الخفي من عدمه، لكن المشكلة عندما يكون محل النزاع غير محرر في ذهن الباحث.

قال (153):"فانظر إلى الحافظ ماذا يقول في (النزهة) عن الإمام مسلم: ((وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مَرّة، لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه، لأنه يلزم من جَرَيَانه أن يكون مدلّسًا، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المدلِّس)). فنقول للحافظ: إنما لا يلزم إلزامُ مسلم على تفريقك أنت بين الإرسال الخفي والتدليس ... "

الجواب: سواء فرقنا أم لم نفرق فجواب الحافظ صحيح، معنى جواب الحافظ أننا نكتفي بالتصريح مرة واحدة ولا نتهمه بعد ذلك في كل حديث، لأننا إذا اتهمناه صيرناه في حكم المدلس والمسألة مفروضة في غير المدلس، وهذه الصورة التي ذكر ابن حجر اتفق العلماء مسلم والبخاري وابن حجر على أنها تدليس (إما أنها التدليس كله على رأي أو جزء منه على رأي آخر) فلا أثر للتفريق هنا، لذلك كان جواب ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم (128) بعينه جواب ابن حجر مع أن ابن الصلاح على الاصطلاح الذي اختاره الشيخ حاتم في التدليس وادعى الإجماع عليه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015