ـ[محمد حاج عيسى]ــــــــ[15 - Jul-2007, مساء 11:37]ـ
المسألة الرابعة: بيَانُ صَوَابِ مَذْهَبِ مُسْلِمٍ وقُوّةِ حُجّتِهِ فيه
قال (148):"أمّا الدليل النقلي: فهو الإجماعُ المتضمّنُ إطباقَ أئمة الحديث على عدم اشتراط الوقوف على نصٍّ صريح على السماع بين كل متعاصِرَين. وهو إجماعٌ وافقه على نقله جَمْعٌ من الأئمة، كما تقدّم."
وخالفه فيه آخرون ونقلوا الإجماع على خلافه ومنهم ابن عبد البر والخطيب. وقال ابن رجب: «فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه ومع موافقة البخاري وغيره، فكيف يصح لمسلم دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم»، وقال أبو حاتم كما في المراسيل (رقم 701 - 703):» لم أختلف أنا وأبو زرعة وجماعة من أصحابنا: أن الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا. وكيف سمع من أبان، وهو يقول: بلغني عن أبان؟! قيل له: فإن محمد بن يحيى النيسابوري كان يقول: قد سمع، قال: محمد بن يحيى بابه السلامة. .. الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، لا لأنه لم يدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما لا يثبت لحبيب بن أبي ثابت سماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه. غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حُجّة «. في هذا نقل للإجماع على عدم الاكتفاء بالمعاصرة، فإن قيل يحتمل أن يكون إجماعا خاصا بسماع الزهري من أبان، قيل سماعه مختلف فيه قد خالفهم محمد بن يحيى ولا إجماع مع وجود الاختلاف.
وفيه بيان لسلف مسلم في مذهبه وهو شيخه محمد بن يحيى النيسابوري الذي كان بابه السلامة تماما كمسلم.
قال (148):" وأمّا الدليل التأصيليّ، فينبني على أصلين:
الأصل الأول: أن (عن) في عُرْف المحدّثين دالّةٌ على الاتّصال، ومن نازع في ذلك، فلم يكن للعنعنة عنده دلالةٌ على الاتّصال يلزمه أن لا يقبل العنعنة مطلقًا، سواءً ثبت السماع المطلق بين الراويين أو لم يثبت."
الجواب: الزعم بأن "عن" دالة بمجردها على الاتصال في عرف المحدثين دعوى عرية عن الدليل، ويلزم مدعيها أن يقبل العنعنة –بين المتعاصرين -مطلقا سواء كان اللقاء ممكنا أم لا، وأن لا ينظر في قرائن نفي السماع فيقبل المرسل الخفي، والشيخ حاتم كثيرا ما يستدل باحتراز العلماء عن التدليس لبيان أن مذهبهم قبول المعنعن.
فإن قال هذا لا يلزمني، لأن "عن" تدل على الاتصال بالشروط الثلاثة المذكورة، قلنا هذا نقض لأصل الدعوى، ونحن نقول هي تدل على الاتصال بالشروط الأربعة المذكورة.
"وأمّا الأدلّة على أن (عن) تدل على الاتّصال عُرْفًا، فأكثر من أن تُجْمَعَ في مختصرنا هذا، لكني أقول: لو لم تكن (عن) تدل على الاتّصال: لمَ إذن استثنى العلماءُ قِلّةً من الرواة وعددًا يسيرًا من ألوف النَّقلة (وهم من غلب عليهم التدليس) من أن تكون (عن) منهم دالّةً على الاتّصال؟ بل ولمَ عابوا على المدلسين فعلَهم هذا؟ أو ليس سبب ذلك أنهم أوهموا السماع؟ وهل يحصل الإيهام إلا باستخدام ما كان يدل على السماع غالبًا؟!! "
الجواب: قوله: أكثر من أن تجمع " مبالغة وهي لو كانت عنده مجموعة لما بخل علينا بها في المختصر الذي أودع فيه جميع ما سبق، ولو سلمنا له هذه الحجة وهي أن ما عدا ما استثناه العلماء يكون محمولا على الاتصال، لدخل في الاستثناء من ثبت عنه التدليس بحجة بينة، ومن عرف بالإرسال الخفي، وكذلك من لم يعلم لقاؤه للشيخ المروي عنه.
"ويكفي أن نقول لمن نازع في الدلالة العرفيّة لـ (عن) على الاتصال، نصْرةً للمذهب المنسوب إلى البخاري: على ماذا اعتمدت إذن في حَمْل (عن) على الاتصال بالشرط الذي ادّعيته؟ على الدلالة اللغويّة؟ أم العرفيّة؟ .... الخ "
الجواب: يلزمه ما يلزمنا لأن مسلما لم يقبل العنعنة مطلقا، ونحن لا نردها مطلقا.
"قال (149 - 150): وعليه: فإما أن يعترف الخصم بهذه الدلالة العرفيّة لـ (عن)، وحينها يلزمه أن يقول بقول مسلم، وإمّا أن ينفي دلالة (عن) على الاتصال، وحينها يلزمه عدمُ قبولِ العنعنةِ مطلقًا .... "
¥