الجواب: إذن ثمة محل إجماع ومحل نزاع، ومحل الإجماع الذي لا يخالف فيه مسلم ولا غيره ممن هو على غير مذهب مسلم هو ما ثبت فيه اللقي والسماع، ومحل الخلاف هو ما لم يثبت فيه ذلك. ومن أعجب الأمور قول الشيخ حاتم (120) في تعليل هذا الصنيع الذي يهدم مذهبه الذي ألف الكتاب من أجله.
قال الشيخ حاتم:"الأول: أن الخطيب لاحظَ في نَقْلِهِ الإجماعَ مَنْ ردّ عليه مسلمٌ، ذلك الجاهلَ الخاملَ الذكر، الذي انتحل الآثار والحديث، ولا يُعَدُّ من أهل الحديث، ولا تؤثِّرُ مخالفتُه في الإجماع الذي عليه أهل الحديث. ... فأراد الخطيبُ أن يقول لهذا الفقيه المتأخِّر: إن قولك بردّ العنعنة مطلقًا قولٌ لم يَسبِقْكَ إليه أحدٌ (لا عالمٌ ولا جاهلٌ خاملُ الذِّكر)."
الجواب: إن هذا محض تخرص وتخيل لا أدري كيف أورث الشيخ حاتما علم اليقين، ثم إن هذا الفقيه المتأخر قد سبقه إلى قوله أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج والآثار عنه مروية في الكفاية.
وقارن بين هذا الافتراض العجيب وبين قوله في (88):" ثم -بعد ذلك كله- لا تنتطح فيها عنزان، ولا يعرض لها أحدٌ ممن جاء بعد مسلم، لا ممن ألف في دواوين السنة، ولا في العلل، ولا في التواريخ، ولا في علوم الحديث، كالحاكم والخطيب والبيهقي وغيرهم. لا يعرض لها أحدٌ بشيء، ولا يشير إلى الخلاف"!!
الثاني (121) " (وهو عندي الأوجهُ والأقوى): أن الخطيبَ في الحقيقة ينقل الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع سواء، وأنه لم يَقُم بذهن الخطيب اعتبارُ وُجُودِ خلافٍ في المسألةِ أصلاً. فجاء قولُه بعد ذلك ((إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه)) وصفًا كاشفًا لا قيدًا، وإنما جاء بيانًا لحال الغالب على عنعنات الرواة غير المدلِّسين."
الجواب: ما الذي يدفعنا إلى هذا الزعم الذي يأباه اللفظ والسياق، فهو يقول إن هذا الحديث مقبول: إذا توفر فيه شرطان أحدهما إيجابي والآخر سلبي: ثبوت اللقي والسماع وانتفاء التدليس، فإن كان الوصف (بل الشرط) الأول كاشفا فليكن الثاني مثله.
وتنبه إلى أنه شرط لا مجرد وصف عرضي طردي لا يفيد، ذكره وحذفه سواء.
ثم نقول إن العنعنة من غير المدلس تكون عن المعاصر كما تكون عن غيره، أليس غالب المراسيل تروى بالعنعنة، فإذا كان الخطيب قد احترز عن عنعنة المدلس فإن ذلك لا يكفي للقبول، بل لابد من اشتراط المعاصرة وانتفاء الإرسال (الذي لا إيهام فيه). فأين هذا الشرط؟؟
ومنه يعلم فساد قول الشيخ حاتم (121):" وبذلك نُضيفُ الخطيب إلى الناقلين الإجماعَ على ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، وإنما أخّرته هنا تلطُّفًا وتنزُّلاً، واكتفاءً ببعض الحجة عن جميعها."
بل هو ناقل لإجماع على قول لم يقل به لا البخاري ولا مسلم على حد زعمك (قبول عنعنة غير المدلس مطلقا)، وإنما تأخر ذكره لأن الذي ساق إليه هو طبيعة المجادلة والمحاورة.
قال:" (119 - 120) وأمّا أن الخطيب لا يمكن أن يكون كلامه السابق فيه مخالفةٌ لمذهب مسلم، فلأنّ الخطيب نقل الإجماعَ على الرأي الذي ذكره، ولا أحسب أحدًا سيقول: إن الخطيب نقل الإجماع على خلاف ما نقل مسلمٌ عليه الإجماع، إذن أين مذهب مسلمٌ (في أقل تقدير)؟! بل أين مسلمٌ ومَنْ وافقه؟!! بل أين مسلم وكل العلماء معه؟!!! "
الجواب: لقد نقل مسلم الإجماع وخالف جمهور النقاد من المتقدمين، فلم لا نتأول صريح كلامه بقولنا أين مذهب البخاري في أقل تقدير؟ أين البخاري ومن وافقه؟؟؟
لقد سهل على الشيخ حاتم أن يخطئ الخطيب في قضايا كثيرة نقلها عن أهل الحديث، بحكم تأثره بالمتكلمين من الأصوليين، فلم لا يخطئه هنا.
قال الشيخ حاتم (118):" قال الخطيب في (الكفاية): ((وأمّا قول المحدّث: (قال فلان)، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه جُعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره (حدّثنا). وإن كان قد يروي سماعًا وغير سماع لم يُحْتَجَّ من رواياته إلا ما بيَّنَ الخبر فيه)).
فظاهرٌ من هذه العبارة أن الخطيب لا يشترط لقبول (قال) إلا انتفاء التدليس، وهذا هو مذهب مسلم."
¥