الصواب في الفقرة الأخيرة: «لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، فمن عرفناه بهذا الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلسا». وهو ما جاء في سائر النسخ وشرح العلل والنكت للزركشي سوى ما حسبه أحمد شاكر نسخة الربيع.

وهذه العبارة ظاهرة في أن العنعنة إنما تقبل إذا كان الرجل معروفا بالرواية عمن لقي ما سمع منه أي إذا تحقق اللقي والسلامة من التدليس.

وللشافعي تطبيقات عملية غير هذا الكلام تؤكد ما ذكره الصيرفي ومن بعده، فقد قال: «ولا نعلم عبد الرحمن رأى بلالا قط، عبد الرحمن بالكوفة و بلال بالشام». وقال في موضع آخر: «سليمان بن يسار عن المقداد مرسل، لا نعلم سمع منه شيئا» وقال أيضا:" هذا ثابت إن كان عبيد الله لقي أبا واقد الليثي "، وقال في موضع رابع: «إنه ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب عن تميم الداري، وابن موهب ليس معروفا، ولا نعلمه لقي تميما الداري» انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي (1/ 162) (1/ 204) (7/ 510).

قال الشيخ حاتم (115): "فالسائل إذن يقول للشافعي: ما بالك قبلت من المتعاصرين العنعنة إذا سلموا من التدليس؟ إذن فالسؤال عن مذهب مسلم عينِه .. حرفًا بحرف، ينسبه السائلُ إلى الشافعي."

الصواب أن يقال: إذن فالسؤال عن محل النزاع بعينه حرفا بحرف، وما ذكره الشيخ حاتم من نسبة السائل مثل مذهب مسلم إلى الشافعي فأوهام، فالسائل قال: إذا سلموا من التدليس، ولم يقل:" ما بالك قبلت من المتعاصرين "، فهذه العبارة مدرجة إدراجا متعمدا فهي في حكم الموضوع.

قال (116 - 117):"ثانيًا: الإمام أبوبكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219هـ).

أسند الخطيب إليه في (الكفاية) أنه قال بعد بيان شروط قبول الحديث: ((وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه سمعت أو حدثنا حتى ينتهي ذلك إلى النبي (ص)، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّثِ عنه واحدٌ فأكثر، لأن ذلك عندي على السماع، لإدراك المحدِّث مَن حَدّث عنه، حتى ينتهي ذلك إلى النبي ?. ولازمٌ صحيحٌ يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه)).

وقال الحميدي في موطن آخر: ((قلت: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: (سمعت)، حتى ينتهي إلى النبي ?، فإن ظاهره كظاهر السامع المُدْرِك، حتى يتبيّنَ فيه غير ذلك)). فهنا يصرّح الحميدي أن الحديث الذي لم يُصرِّح رواته بالسماع، أي الحديث المعنعن، ظاهره يدل على الاتصال، وأن العمل على دلالة هذا الظاهر، حتى يأتي ما ينقض هذا الظاهر.

وبذلك نضيف الحُميديَّ شيخَ البخاري إلى مصافّ من كان على مذهب مسلم!! "

الجواب: معنى كلام الحميدى:" الموصول" المتصل الذي علم اتصاله، وذلك بالمعاصرة واللقي، فهو يبين أن العنعنة في السند المتصل على ظاهرها حتى تبين ضد ذلك خلافا للمذهب الذي كان عليه شعبة. ولا علاقة لكلامه بمسألة حكم الإسناد المعنعن التي هي محل البحث، ولا برواية المدلس والله أعلم.

قال (117):"ثالثًا: أبو بكر الخطيب البغدادي (ت 463هـ):

للخطيب عبارةٌ استدلّ بها من نسب ذلك الشرط إلى البخاري على أن الخطيب موافقٌ للبخاري فيه!! "

وهذه العبارة هي قول الخطيب:" وأهل العلم بالحديث مُجْمِعون على أن قول المحدّث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيحٌ معمولٌ به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّثُ ممن يُدَلِّس. . .".

وقد اجتهد الشيخ حاتم في صرفها عن ظاهرها بأمور منها: أن الخطيب أورد بعدها كلام الشافعي غير متعقب له، وهذا دليل على أن كلام الخطيب على ظاهره لا يحتاج إلى تأويل، لأن كلام الشافعي نص في اشتراط اللقي.

ـ[محمد حاج عيسى]ــــــــ[15 - Jul-2007, مساء 11:14]ـ

ومنها قوله (119):" هو أن أقول تَنزُّلاً: إن كُلَّ الذي يدلّ عليه كلام الخطيب: أن الحديث المعنعن بين راويين عُرف لقاؤهما وسماعهما وسَلِمَ الراوي من التدليس أنه يكون صحيحًا معمولاً به، وهذا لا شك أنّه موطنُ إجماعٍ كما قال الخطيب، لا يُخالف فيه الإمامُ مسلمٌ ولا غيره ممن هو على رأي مسلم."

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015